أكرم القصاص

حازم حسين

منتدى التمويل وفلسفة الجمهورية الجديدة

الأحد، 12 سبتمبر 2021 04:29 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

فجأة استيقظ العالم على تحدٍّ قاس. العقود الطويلة الماضية من التنمية ومراكمة فوائض الإنتاج لم تعد قادرة على تلبية احتياجات مُلحّة، والاستجابة السريعة والفعالة لأزمة طارئة، بدت فى البداية أقل كثيرا من قدرات العالم. وعلى غير توقع أو رغبة من أحد، تطورت الأمور فى مسارات سلبية، وتعطلت أغلب ماكينات الاقتصاد، حتى فى المراكز المالية والإنتاجية العملاقة. هنا باتت جائحة كورونا أزمة حقيقية، تكشف عن اختلالات عميقة فى السوق العالمية وتفاعلاتها، وتتطلب تدخلات أكثر جدية وحسما لمعالجة تلك الآثار!

المشهد الآن يتجه إلى التعافى، لكن ما تزال الرواسب تلطخ كثيرا من الأسواق. دول كبرى سجلّت نموا سلبيا خلال 2020، وأغلب الناجحين تقلصت نسب نموهم إلى ما دون الثلث. أما فى مصر فقد كان المشهد أقل ارتباكا، ربما بفضل مرونة هياكل الاقتصاد، وفاعلية برنامج الإصلاح واسع المدى المطبق منذ العام 2016، وأخيرا المبادرة العاجلة بدعم السوق وضخ تمويلات تنشيطية للقطاعات الأكثر تضررا، بما ساعد على إبقاء قدرات الإنتاج والاستهلاك فى حدود آمنة. من هنا تأتى أهمية وضع الرؤية المصرية على طاولة البحث، ومن هنا أيضا تكتسب فعالية مهمة، مثل منتدى مصر للتعاون الدولى والتمويل الإنمائى، أبعادا أكبر من كونها مؤتمرا نقاشيا أو حدثا اتصاليا بين المعنيين بالاقتصاد والمهتمين بالاستثمار والتنمية، لأنها تلخص مسارا مصريا بدأ منذ اللحظة الأولى لدولة 30 يونيو، ويتصل يوما بعد آخر بثبات وثقة، استنادا إلى انحياز واضح لقيم التعاون والتكامل وتضافر الجهود بين كل الأطراف من أجل مصلحة إنسانية لا تفرز ولا تستثنى أحدا.

الأهمية التى يمثلها المنتدى الوليد، تنبع من فلسفة التأسيس وآليات العمل واستراتيجيات الوصول إلى التكامل. أولا لا يمكن فصل الأمر عن العمل الدؤوب الذى اضطلعت به مصر لتنشيط قنوات الاقتصاد الدولية إقليميا وعالميا، عبر شراكات مباشرة أو دعم واضح لمؤتمرات وأفكار دولية، مثل تيكاد وUK – Africa والقمة الأفريقية الأوروبية ومنتدى الصين الأفريقى، ورفع صوت القارة السمراء فى محافل مهمة مثل قمة ميونيخ للأمن ومجموعة الدول السبع الكبرى ومجموعة العشرين وغيرها. وإلى ذلك تلعب وزارة التعاون الدولى دورا نشطا فى تقوية دبلوماسية الاقتصاد، والوصول إلى أفضل صيغة تنموية مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وتعزيز الرباط العضوى بين السوق المحلية من حيث كونها مساحة ديناميكية للعمل والاستثمار، والمنصات العالمية العاملة وفق أهداف تنموية أو ربحية. وتحت تلك اللافتة والانحيازات جاء منتدى مصر الأخير.

فلسفة الحدث ومستهدفاته تضمنتها كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى، إذ أشار إلى عُمق الأزمة العالمية بين الجائحة وتغيرات المناخ، وتحديات التنمية لا سيما فى الدول النامية، ومن هنا تقع المسؤولية على عاتق الأسواق الكبرى فى مساندة الاقتصادات الناشئة، من أجل تعزيز قدرتها على النمو ذاتيا، ووضعها على طريق التعافى الأخضر والمستدام، إنقاذا لها وللدول الكبرى نفسها، التى لا يمكن أن تستقيم منظوماتها الداخلية إن لم يتوفر شركاء حقيقيون وقنوات اتصال وتجارة وأسواق قادرة على تغذيتها أو خلق طلب فعال على منتجاتها. وأشار الرئيس إلى استراتيجية التنمية المستدامة المصرية 2030، رابطا بينها والاستراتيجية الأممية 2030 واستراتيجية أفريقيا 2063، ومنطلقا من هذا الربط لتأكيد أهمية التعاون وصولا إلى التكامل، وخلق توازن فعال بين مقتضيات التنمية المستقبلية ومواجهة تحديات الواقع وما تركه الماضى من معوقات، مع التزام المؤسسات والمنصات الدولية بالعمل الجاد من أجل تحفيز الأسواق الناشئة ومعاونتها فى عبور محطاتها الصعبة. هكذا لخص الرئيس فلسفة الجمهورية الجديدة فيما يخص الاقتصاد والتنمية والعلاقات الدولية، ولخص أيضا مستهدفات منتدى مصر للتعاون الدولى والتمويل الإنمائى.

وزيرة التعاون الدولى النشطة، الدكتورة رانيا المشاط، أوضحت أن المنتدى نجح فى أن يكون منصة حوار مهمة بين المسؤولين والفاعلين الاقتصاديين وطنيا وفى المؤسسات الدولية، تأكيدا على أهمية التعاون متعدد الأطراف وتوظيف الشراكات الدولية الفعالة من أجل إحراز خطوات واسعة ومستدامة على طريق التنمية، مع العمل على تعزيز أدوار القطاع الخاص وتيسير عبور الاستثمارات، لكن أهم ما تضمنه حديثها استعراض التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة، بدءا من الإطار الواضح والمتماسك لرؤية الإصلاح الاقتصادى، ثم إدارة الملف بكفاءة وفاعلية عبر أكثر من موازنة سنوية، وصولا إلى ترميم كفء وحقيقى لشروخ السوق وضبط أوضاع المالية العامة والموازين الاقتصادية ومؤشرات البطالة والتضخم، ما كان له أكبر الأثر فى تجاوز جائحة كورونا وتداعياتها القاسية على أسواق العالم، والدليل أن مصر إحدى الدول الأقل تضررا من الأزمة، ولم تشهد تعطلا فى الإنتاج أو اهتزازا فى سلاسل الإمداد والتوريد.

أحسنت وزارة التعاون الدولى بعقدها لهذا المنتدى المهم، استكمالا لخطوات تنموية حقيقية أنجزتها الدولة فى أوقات قياسية، وتأكيدا لنجاح التجربة المصرية محليا، بما يؤهلها لأن تكون رؤية استرشادية لكل الأسواق الناشئة والنامية، وأن تكون شريكا حقيقيا وفعالا للاقتصادات والمؤسسات المالية الكبرى، مع امتلاكها قاعدة استثمارية ضخمة واقتصادا بالغ التنوع وفرصا جذابة فى كل المجالات، والأهم أن هذا الحدث يؤكد فلسفة الجمهورية الجديدة ويُرسخها، وهى فلسفة تقوم على التعاون الجاد والشراكة الحقيقية، وتحقيق الاستقرار بالعمل والتنمية، وليس بالضغوط أو القوة أو التوازنات السياسية، انطلاقا من أن التكامل واقتسام المنافع أكبر الضمانات لأن تعمل كل الأطراف بجدية وأن تتحرك إلى الأمام.

انتهى المنتدى الذى عُقد تحت رعاية رئاسية، وبمشاركة نحو 1500 من المسؤولين الحكوميين والمجتمع المدنى والقطاع الخاص ورؤساء مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية، بعد يومين وجلسات عدة تناولت محاور مهمة وحيوية فيما يخص التنمية والاستثمار والتكامل والاقتصاد الأخضر، لكن آثاره الإيجابية محليا وخارجيا لن تنتهى سريعا، فمن جانب قدّم المنتدى رسائل مهمة للعالم عن قدرة السوق المصرية وجاهزيتها وامتلاكها طموحا عظيما وإرادة سياسية للتنمية المستقرة والمستدامة، ومن جانب آخر أعاد التأكيد على فلسفة مصر المنحازة إلى دبلوماسية التنمية بدلا من دبلوماسية المشاحنات والتجاذبات السياسية، وأخيرا وضع العالم بمؤسساته ودوله الكبرى أمام مسؤولياتهم الفعلية عن التنمية الحقيقية، والتصدى للأزمات والمشكلات الوجودية، ودراسة توظيف القدرات البشرية فى كل الأسواق على الوجه الأمثل، بما يُحقق العدالة فى العمل والإنتاج واقتسام المنافع، ويضمن الاستدامة، ويُقلّص المخاطر التى يُمكن أن تعصف بثروات الكوكب فى أية لحظة، كما حدث جزئيا خلال أزمة كورونا، ويتصل ببطء وإزعاج فى ملف التلوث والتغيرات المناخية.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة