أحيانًا يكون في حياتك أشخاص لا تدري سبب تمسكك بهم وبوجودهم، رغم أنك تُدرك من داخلك أنه لا يُوجد أي شيء يجمعكم سويًا، ولكن هناك عامل مجهول يُجبرك أن تُطبق عليهم كل الاستثناءات، وتتمسك بهم رغم كل الفجوات، لدرجة أنك أحيانًا تتساءل لماذا لا أتعامل معهم مثل بقية الأشخاص؟! فقد تقبل أن تخسر شخصًا به العديد من المُميزات بسبب موقف عابر يُمكن أن يمر، ولكنك رغم ذلك لا تعبره، وتُصر على موقفك لأن هذه هي تركيبة شخصيتك، في حين أنك تتجاوز عن مثالب وسلبيات شخص آخر، وتتغاضى عن سوءاته، وتعبر تصرفاته، وهنا تجد نفسك تقف مع نفسك وقفة قوية، وتتساءل لماذا أستثني هذا الشخص من كل مُعاملاتي؟! في حين أنني لا تربطني به أية مصالح، أو صلة دم أو قرابة، أو حتى تاريخ؟!
وتجد الإجابة تأتيك في لحظة غير مُرتبة وهي لأنني أعلم تمام العلم أنه يُحبني بصدق وبإخلاص، رغم التفاوت الثقافي، ورغم تعارض واختلاف الأفكار، ورغم عدم تطابق اللغة الحوارية، إلا أن صدق إحساسه، وارتباطه النفسي بك، وتعلقه الحقيقي بشخصيتك، ومصداقيته في التعامل معك، وتمسكه القوي بك، جعل له مكانة مُتميزة ومُختلفة لديك، جعلك تغفر له زلاته، وتستثنيه من الجميع في كل مُعاملاتك، وتتجاوز عن سخافاته، لأنك مُؤمن من داخلك أن ليس له في هذه الدنيا سواك، وأن استقرار حياته مُرتبط إلى حد بعيد بوُجودك، فأنت بالنسبة له بمثابة البُوصلة التي تُحدد له الاتجاهات، وبدونها سيتوه ويتخبط، وأنت الصدر الحنون الذي يرتمي فيه ليُفْرغ كل ما بداخله من آهات وآلام، وأنت مصدر الأمان الذي يُلقي فيه بأسراره وهو على يقين أنك بئر عميق لن يُفتح أبدًا، وبالقطع سيثور التساؤل: وما هي الاستفادة التي ستعود عليك من كل هذا؟!
والإجابة هي أحيانًا الأحاسيس الصادقة تتغلب على أي مصلحة أو استفادة، لذا أحيانًا نتعلق بالأطفال رغم حماقاتهم، وبناقصي الأهلية رغم تطرف تصرفاتهم، وبالحيوانات رغم انعدام عُقولهم، لأن كل هؤلاء عندما يُحبوننا تكون مشاعرهم صادقة ومُخلصة لأبعد حد مُمكن، لذا نقول لهم: "تكفيني مشاعرك تجاهي".