اعتدنا في مجتمعنا على خلط المفاهيم، فأغلب ما يحدث بين أبناء المجتمع الواحد من خلافات يكون أساسها سوء الفهم، وهو يتولد نتيجة خلط المفاهيم، فالإنسان قد يقول كلمة بقصد ما لكنه لا يعرف أنها تعني عند غيره قصد آخر، وقد يكون المعنى الذي استقبل به الشخص الكلمة مناقضًا للمعنى الأساسي الذي من أجله اُستخدمت الكلمة.
ومن المفاهيم التي نخلطها هي الفكاهة والسخرية والانتقاد، فلا مانع أن نعقب بشكل لطيف على مواقف الحياة المؤلمة تقليلًا من حدتها، لكن يجب أن نتوقف عند حد معين إذا وجدنا الأمر ينقلب إلى سخرية، فالفكاهة فيها ذكاء ودعابة، والانتقاد فيه تصحيح مسار، أما السخرية فيها غباء واهانة، الفكاهة تترك بسمة، والانتقاد يترك حلًا، أما السخرية تترك جرحًا غائرًا.
ولكن ما أريد التحدث عنه اليوم ليس هذا المستوى من السخرية، بل المستوى الأعلى، حيث تتحول السخرية إلى جزء لا يتجزأ من كيان الإنسان، ويتحول الانتقاد بمفهومه العلمي إلى تقليل من شأن الآخرين، وحينها يصبح الإنسان مريضًا بالسخرية، فإذا بحثنا في الأسباب قد نجد متاهات كلها تؤدي إلى سبب رئيس، وهو الشعور بالنقص، فالشخص الذي يتخذ من السخرية أسلوبًا لحياته يعكس نقصه وسوداويته على الكون من حوله، إذا سألته حول ما يرضيه لا يجيب لأنه لا يعرف، هو يسخر فقط من أي شيء ومن كل شيء دون مراعاة لأي شيء، فهذه أنسب طريقة له للتعبير عن مدى كرهه لمن حوله بل وحقده عليهم في بعض الأحيان، فالشخص المريض بالسخرية ليست لديه القدرة لمواجهة مشاكله الشخصية، والوقوف عند أسبابها لحلها، ومن ثم فهو لا يجد منفذًا للتعبير عن غضبه من مشاكله سوى أن يسخر من الآخرين ومن كل الأحداث حلوها قبل مرها.
الشخص المريض بالسخرية تأثيره فيمن حوله لا يقل خطورة عن تأثير مرض السرطان في جسد الإنسان، فمهما كان من حوله يحرزون النجاحات في مختلف المجالات، لا تجد هذا الشخص إلا مركزًا على عيوبهم أو منتقدًا لأفعالهم أو مخترعًا لعيوب جديدة ليست فيهم كي يتخذها مادة للسخرية، هو غير راضٍ عمن حوله ولن يرضَ عنهم لأنه في الأصل غير راضٍ عن نفسه، وسيستمر بالسخرية من الآخرين كلما استمر عدم رضاه عن نفسه.
نصيحتي لك عزيزي القارئ، إذا كنت الشخص الذي تحدثت عنه، فلا تعاقبنا على ذنب لم نقترفه، بل اذهب وعاقب مرتكب الذنب الحقيقي، وواجه مشاكلك، وإذا كنت عزيزي القارئ ضحية لهذا الشخص فابتعد فورًا عنه لأنك قد تكره نفسك بسببه، أو على الأقل لا تعرض عليه أي شيء يخصك كي يقيمه لأنه حتمًا سيقلل من شأنك، ففي الوقت الذي سيهنئك الجميع على نجاحك، سيحاول هو اقناعك بأنك فاشل لم تنجح.