(سيارة تكريم الحزن)
لم أكن أتخيل – ولا حتى فى أسوأ كوابيسى - أن تتحول سيارتى المينى باص إلى سيارة نقل موتى.!
فأنا منذ اشتريتها بالتقسيط، وأنا أجوب الشوارع والمدن حاملاً العديد من البشر الذين لا يكفون عن الثرثرة وأحيانًا الشجار، وكثيرٍ من النداءات أن توقف هنا، تقدم قليلاً، انزلنى آخر الشارع.. أو يأتينى طلبًا أن تعال معنا إلى زفة يا أسطى.
منذ بدأت أزمة كورونا وأنا أسمع كل يوم عن الجثث التى لا تجد من ينقلها، لانشغال عربات الإسعاف فى نقل المصابين، كان الأمر جديدًا عليّ، إذ إننى لم أعش ظروف وباء كهذا من قبل، ولم تتعرض بلدنا لمصيبة مشابهة فى عهدى القصير بالدنيا، لكننى تذكرت حكايات جدتى عن "الفِرّة".
كانت رحمة الله عليها تقصد وباء الكوليرا الذى اجتاح مصر عام 1947، تذكرت الجملة التى قالت لى جدتى أنها انطلقت وقتها "خلى بالك من الرغيف.. أحسن العيش مش نضيف‘". كلما اشتريت خبزًا وسخنته على النار قبل أن آكله خوفًا من أن يكون به فيروس عالق من يد بائعه، كانت تحكى لى عن سقوط الناس فى الشوارع، وعن أصوات صراخ ونحيب جيرانها لفقدان أحبتهم من شيوخ ورجال وأطفال، وعن الأبخرة المنطلقة من نوافذ البيوت، حكت لى عن الأطعمة المتهمة بنشر الوباء مثل البلح لأن أول حالة وفاة بالكوليرا كانت لتاجر بلح بالإسماعيلية، حدثتنى عن الرعب الذى اجتاح القرى والمدن، وعن جنود الاحتلال الإنجليزى الذين جلبوا معهم الوباء من الهند، كل هذا جعلنى أتابع فى التلفاز أخبار وباء فيروس كورونا والإصابات والوفيات، وأقرأ على مواقع التواصل الاجتماعى عن الوقاية والإجراءات الاحترازية ونشرات وزارة الصحة.
وفى يوم، سمعتُ أنهم بمستشفى الحجر الصحى القريب فى حاجة إلى سيارة تنقل الجثث إلى المقابر، كثير من زملائى السائقين كان يخاف، لكننى لم أفعل، فذهبت بنفسى إلى المستشفى وعرضت العمل معهم وتركت بياناتي.
لم يمر يومٌ حتى وجدتهم يتواصلون معى وطلبوا منى أن أعمل معهم وأنقل جثث المتوفين، ويا لحظى العاثر، كانت أول جثة أنقلها هى جثة طبيب معروف بالطيبة والتفانى والإخلاص فى عمله، محبوب من كل زملائه وكل العاملين بالمشفى، كان الحزن هائلاً، والألم باديًا على الوجوه كأقسى ما يكون وهم يقيمون صلاة الجنازة عليه فى مدخل المستشفى وهو موضوعًا على حامل حديدى فى صندوق على بعد خمسة أمتار من المصليين، كان وحيدًا ومعزولا، لم يقترب منه أحد كى يربت عليه ويودعه، فقط تودعه العيون والقلوب من بعيد، حتى أهله وذويه يقفون فى زاوية بعيدة لا وصل بينهم وبينه غير النظرات والنحيب المكتوم.
بعد صلاة الجنازة، قاموا بتعقيمى وتجهيز السيارة وتعقيمها، ووضعوا الجثة ثم أقفلوا السيارة، وصاحبنى بعضهم إلى المقابر لإتمام الدفن.
لم يكن الأمر سهلاً، أن تقوم بنقل جثث مصابة بوباء كورونا، جثة تم تكفينها بطريقة غير الطريقة المعهودة، وستدفن على عمق غير المعتاد، ولها طقوسها الخاصة فى الدفن، فهذا أمر جديد علينا جميعًا وعلى التربى الذى فى الغالب كان يرفض أن يشارك فى الدفن ويكتفى بفتح المقبرة ثم الهرب.
واجهتنا عقبات كثيرة فى عدة مرات، من المواقف الصعبة اللى قابلتني، كنت أنقل جثة حالة من الحالات إلى مكان الدفن بإحدى القرى، فوجدنا تجمع غفير من الأهالى عند المقبرة، اعترضوا الدفن ورفضوا أن تنزل جثة مصابة بأرضهم، وظللنا وافقين بالجثة لأكثر من أربع ساعات فى الشارع إلى أن جاءت الشرطة وفضت التجمع وأغلقت القرية ودفنا الحالة ثم قمنا بإحراق الصندوق.. وقد تكرر هذا المشهد عدة مرات فى قرى متفرقة على مستوى محافظات الدولة.
كان من ضمن الأعمال التى يكلفوننى بها هى أن أنقل عينات التحاليل التى يسحبونها من المرضى فى صندق مُبرد بصحبة فنى من المعمل ونسلمها لمستشفى الحميات كى يقوموا بتحليلها وإخطار مستشفى الحجر بالنتائج.
لم يؤلمنى فى هذا العمل الذى نذرته لوجه الله تعالى غير التنمر الذى كنت أجده من زملائى السائقين فى موقف السيارات، كانوا يبتعدون عنى وكأن بى جربا، أو أننى شخص غير سوي، الجميع خائف حتى أقرب الأصدقاء، رغم أننى لم أكن أبرح مستشفى الحجر بعد عودتى من الدفن إلا بعد أن يعقمونى ويعقموا سيارتى ويطمئنون إلى أننى نظيف تماما، حماية لأهل بيتى وأطفالي، وكل من أقابله فى طريقى.
إنها الأزمات، تلك التى تظهر معادن البشر، وأنا لم أكن لأتوانى لحظة عن خدمة الناس والمشاركة فى رفع جزء من معاناة تعيشها بلدى كسائر البلاد فى هذا الوقت العصيب.