خالد صلاح

وائل السمري يكتب.. زهرة المدائن اليتيمة في اليوتيوب.. مشاهدات أغنية فيروز العظيمة بضعة آلاف بينما يحصد شاكوش وشركاه مئات الملايين.. يحتل الفضاء الإلكترونى شعب آخر لم ترحل عيونه إلى القدس ولم ينتفض بالغضب الساطع

الجمعة، 10 أبريل 2020 11:00 ص
وائل السمري يكتب.. زهرة المدائن اليتيمة في اليوتيوب.. مشاهدات أغنية فيروز العظيمة بضعة آلاف بينما يحصد شاكوش وشركاه مئات الملايين.. يحتل الفضاء الإلكترونى شعب آخر لم ترحل عيونه إلى القدس ولم ينتفض بالغضب الساطع فيروز

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لسحبة تلك الكمنجات في الروح قشعريرة، لنفير تلك الآلات النحاسية في القلب زلزال، كنا نسمعها فنسكن ونخاف، كنا نسمعها فنصاب بالإحباط، ونصاب بالأمل، ونصاب بالنشوة ونصاب بالدمع.

 

كان صوت فيروز بالنسبة لنا هو "المرشد" يأخذ أوراحنا من يدها، يؤذن في قلوبنا، فننجذب إليه، نطير نطير ولا نسكت، نطير نطير ولا نعود، يسري بنا ليلا، يسري فينا نهارا، يمر بنا على "الشوارع.. شوارع القدس العتيقة" فنرى أنفسنا سحابة في سماء القدس مرة، ونقشا على أحد أحجارها مرة أخرى، يحكي لنا حكاية الطفل في المغارة وأمه مريم، فنبكي من شدة الإيمان، ونبكي من شدة الشجن، وحينما يأتي الغضب الساطع نكون قد امتلأنا بحب مدينة الحب، نتحول إلى جيوش من العشاق، نحمل أوراحنا التي تسامت وأعمارنا التي هانت على أكتافنا، بتلك القوة، نستطيع أن نهزم ألف جيش من "الأقدام الهمجية"

bbdac206-01bf-46fa-a49f-f1c1fd48b503

مازلت أذكر هذا "الشريط" الذي كان يباع في البوتيكات مثله مثل احتياجاتنا اليومية، مازلت أذكر لونه الأزرق الباهت، وعيون فيروز على غلافه تعلمنا كيف يكون الغموض واضحا وبليغا.

 

"نخبة أجمل أغاني فيروز" كان هذا هو اسمه، وقت أن كانت منتخبات الأغاني تضم فيما تضم أغنيات وطنية بلغة عربية وفرق موسيقية أوركسترالية، لم نكن نعلم وقتها مقدار النعمة التي ننعم بها، فقد كان الله يمن علينا بفن حقيقي، وقضية حقيقية، كنا ننعم معرفة الأسود من الأبيض، وكنا نعرف العدو من الحبيب.

 

كان الشريط مليئا بالأغاني الأشهر لفيروز، حنا السكران بصخبة وكوميديته، شادي الغريب الذي ضاع بعد أن حفر في قلوبنا اسمه، مختار المخاتير الذي لم نكن وقتها نعرف معنى اسمه ولا فحوى الحكاية التي تحكيها له فيروز، وغير ذلك من أغنيات رقيقة جميلة، لكن لزهرة المدائن في قلب هذا "الشريط" مكانة لا تقارن وشعور لا يوصف.

8aedd3b8-29c1-49ab-b61c-ba8fcd8278fa

الآن أنظر إلى تلك الأغنية العظيمة على موقع اليوتيوب فأجدها يتيمة وحيدة مهجورة، غريبة يا أغنية مشاهدات أغنية فيروز على الموقع الشهير بضعة آلاف بينما يحصد شاكوش وشركاه مئات الملايين "زهرة المدائن" تماما كما هي "زهرة المدائن" غريبة، فقيرة هزيلة، لا تجد من المشاهدين سوى بضعة آلاف بينما ما دون دون دونها ينعم بمئات الملايين من المشاهدات، شعب "زهرة المدائن" صار منفيا إلى مغارات الكاسيت، وغياهب الذكريات، بينما يحتل الفضاء الإليكتروني شعب آخر، لم ترحل عيونه إلى القدس مرة، ولم ير من دافعوا واستشهدوا في المداخل.

 

الآن أدرك ذات الشعور الذي كان يشعر به الشعراء القدامى الذي أنشدوا على "أطلال الحبيبة" أعظم القصائد وأعذبها، كان الشاعر يقطع الصحراء بحثا عن محبوبته، وحينما يصل إلى موقع خيمتها يفاجئ بأنها رحلت مع أهلها بحثا عن الأمن أو المأوى أو سبل الحياة، فيجلس  على أطلال بيتها يأتنس بحجر كانت تجلس عليه وهي توقد النار، أو بوتد خيمة غمرته الرمال، ويبكي من حرقة الفراق وألم الخواء الذي يعصف به، والآن أمر على أطلال زمن عشته وأنغام تجرعتها وأحلام كنت على أتم الاستعداد للموت في سبيل تحقيقها، فلا أجد إلا الرماد.

 

لو كان ما غنت له فيروز وهما فما أجمله من وهم، وإن كان ما غنت له فيروز حقيقة فما أتعسنا من جيل، ما أبشعنا من جيل، فالجيل القديم صنع لنا قضية نعيش من أجلها وصنع لنا فنا يوصل لنا تلك القضية على أكمل وجه، والجيل الجديد لا يعرف شيئا عن القضية ولا يعلم شيئا عن الفن، أما نحن فقد وقعنا في فخ ووقعنا من الذاكرة ووقعت منا ذاكرتنا وأصبحنا نرى ولا نحس، ونسمع ولا نشعر.

 

 

 
 

 

 

 


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة