أسواق مزدحمة، شوارع مكتظة، وصالات للرياضة ما تزال مفتوحة، المقاهى والمطاعم مملوءة عن آخرها، عناق، مصافحة... حياة عادية وليتها كانت كذلك من قبل وياليت كان لمفهوم "العادى" لدينا فهم ورؤية واضحة.
دعوات للتفاؤل والاستمرار فى نمط العيش العادى وعدم نشر الهلع، دعوات لتجاهل الإنذارات وبأن لكل داء دواء وكأننا نمتلك أكبر قاعدة للبحوث فى علم البيولوجيا والفيروسات "معهد باستور" نموذجا. وكأننا بحق نمتلك نظاما صحيا يعتبر الأول فى العالم وأطقم طبية تجوب كل دول المعمورة لتقديم المساعدة، كأننا دولة متطورة وكل ما فيها يؤطره العلم، والدولة وفرت كل وسائل التعقيم والوقاية مجانا والآن كل مستشفيات الطوارئ مجهزة ومستعدة لشبح الموت «COVID 19» وكأن إنذارات الخطر لا تهم فى شيء، وكذلك أعداد المصابين فى دول الجوار مجرد أكذوبة، وحجم الوفيات فى الدول التى نسميها متقدمة هو افتراء من هوس الشيطان.
كأننا نحلم والحلم مرعب لكنه يبقى من نسج الخيال وياليتنا كنا نحلم وننسج الخيال وفى كل ليلة تتجدد أحلامنا ونعمل على تحقيقها بجد.
وكأننا نحب معرفة ما تصنعه السينما ومخيلة الكاتب ونحن الآن بصدد التسابق معهم لإنتاجات أفضل وأهم الأفلام السنيمائية، وفى اللحظة نشاهد فيلم الزومبى "حرب الزومبى العالمية" لمارك فورستر بطولة براد بيت وميريلاينوس ودانييلا كيرتيس، ونعيش أحداث الرعب والجثث المتجددة ونقل العدوى لكن الإحساس ينتهى بانتهاء لقطة نقل الفيروس.
وكأننا مولعون بالقراءة والآن بصدد قراءة رواية "عيون الظلام" للكاتب دين كونتز 1981، والتى فيها أنه "فى سنة 2020 سيعرف العالم انتشار مرض يشبه الالتهاب الرئوى الحاد، يهاجم الرئتين والشعب الهوائية وسوف يقاوم المرض جميع الوسائل العلاجية المعروفة. ما سيجعل منه مرضا محيرا وغامضا، سيعرف اختفاء مفاجئا بنفس سرعة ظهوره وانتشاره. وسيتجدد بعد 10 سنوات خلال 2030 وبعدها سيختفى نهائيا" ويا ليتنا كنا من هواة القراءة.
وكأننا نتجاهل شخصا أساء إلينا ونمضى وفى أذهاننا كلام جميل مضمونه "رد الإساءة بأختها جهل" ويا ليتنا كنا نفكر كذلك... ونغض الطرف عن المسيء حتى يفهم خطأه وننهر كل مظاهر البغض من أنفسنا لكى نعيش الطمأنينة وبه نحث المسيء على مراجعة نفسه، يا ليتنا كنا مجتمعا مطمئنا فيه كل مظاهر الحب والرقى سائدة، ويا ليتنا كنا نفكر فى الآخر ونقوم برد الأذى عن نفوسنا.
نحن نعلم أن كل ما ذكر سابقا وما لم يذكر غير موجود وبالأحرى أن نكون نحن فى زمن الكورونا موجودين بعد أيام، لا أحد يضمن وجوده بعد شهر أو أسبوع، لا أحد سيضمن أن الوباء إذا حل بنسبة قليلة سيجتاح ما تبقى، ولا أحد سينكر أن الأمر سيعدو كارثيا أكثر مما شهدته الدول الأخرى.
نحن أعلم بظروفنا وبحالة مستشفياتنا وقلة أطرنا الطبية نحن أعلم بوجود مرضى أكثر حاجة لسرير سنشغره بسبب تهورنا ونعلم أنه لا سبيل للنجاة إن أصيب واحد من عوائلنا. نحن أعلم بكل هذا الخطر ولكن لماذا التجاهل؟ هل لهذا المستوى لا ثقافة "حياة" لنا ولا ثقافة "موت"؟ هل لهذه الدرجة نعانى من التهجين الفكرى والاستلاب المعرفي؟ هل فعلا وصلنا لحقيقة أننا نعيش باعتباطية وبنوع من التيه وأن وجودنا كمن عدمه؟ لماذا لا يمكننا تفعيل كف رغباتنا ومواجهة هذا المستجد بنوع آخر من التفاعل والتفكير؟ هل لهذا المستوى نعانى من خلل فى معالجة المعلومات الواردة واسترجاعها؟ كيف لشعور فقدان حبيب أو صديق أو عزيز علينا أن ينسى هل اختفى التفاعل بين وجداننا ومعارفنا؟ ألهذه الدرجة فقدنا الاتصال بذاكرتنا فى الماضى وأصبحنا عديمى الإحساس بالحاضر المستقبل؟ أسئلة وأخرى يمكن الإجابة عنها لا أعرف متى ولكن ربما حتى فوات الأوان.