خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

عباس شومان

دية المرأة.. رؤية اجتهادية

الخميس، 07 مارس 2019 12:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
أنصف الإسلام المرأة من ظلم الجاهلية البين لها؛ حيث كان المجتمع الجاهلى مجتمعًا ذكوريًّا بامتياز، فلا يكاد يرى أهله المرأة إلا وسيلة للمتعة إن سُمح لها بالبقاء على قيد الحياة، ولم يكن مصيرها الدس فى التراب، ولا ذمة مالية تمتلكها، ولا ميراث لها فى مال قريب أو زوج، وربما تُورَّث كما يورَّث المتاع، بل ربما تباع فى الأسواق! وقد أبطلت شريعتنا الإسلامية الغراء كل ذلك، وجعلت المرأة كالرجل فى الحقوق والواجبات، وإن بقى التباين فى بعض الحقوق كنقص ميراثها فى بعض الحالات عن الذكر المساوى لها، وكون القوامة للرجال دون النساء، والطلاق بيد الرجال دونهن، وهذه الأمور لا علاقة لها على الإطلاق بنقص المرأة عن الرجل درجة فى نظر الإسلام كما يدعى بعض الناس خطأ وجهلًا، وقد تناولنا ذلك كله فى مقالات سابقة.
 
واليوم نتناول حكمًا فرق فيه سلفنا الصالح بين الرجل والمرأة، وتوارثته الأجيال المتعاقبة جيلًا بعد جيل، وهو دية المرأة، حيث جعلها السابقون على النصف من دية الرجل، ومن الغريب أن الفقهاء الذين اختلفوا فى المسائل التى لم تحسمها نصوص قطعية اختلافًا كبيرًا كادوا يجمعون على هذا الحكم، على الرغم من أن المسألة لم تُحسم بدليل قطعى واحد، فآيات القتل فى كتاب الله لم تفرق بين الرجال والنساء، وكذلك ما صح من سنة النبى - صلى الله عليه وسلم - فكتاب الله تعالى يقول: «مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»، ومما لا شك فيه أن المرأة تحمل نفسًا كالرجل، فيكون قتلها كقتل الناس جميعًا، ومن المعلوم أن شرع مَن قبلنا على الراجح بين الفقهاء هو شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا، وشرعنا لم ينسخه، بل أقره بآيات محكمات، منها قول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا}، وقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ}، ولا خلاف بين الفقهاء فى أنه لا فرق فى الآيتين ونحوهما فيما يتعلق بالرجل، ولكن الخلاف فى القصاص من الرجل إن قتل امرأة عمدًا.
 
ولم يفرق كتاب الله تعالى بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالديات؛ حيث يقول الله سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا}، ولم يقل أحد من الفقهاء إن الآية خاصة بالرجال، فالنساء فى خطاب الشرع مشمولات مع الرجال إذا لم يذكرن بنص يخصهن، فيدخلن عندئذ فى لفظ «المؤمنين» و«المسلمين» و«الناس»، ونحو ذلك من ألفاظ العموم متى ذكرت مجردة ولم يصاحبها لفظ يخص النساء، وتجد هذا العموم فى نصوص السنة كذلك، ومن ذلك قول النبى - صلى الله عليه وسلم: «ألا إن فى قتل الخطأ شبه العمد ما كان فى السوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها».
 
ومقتضى هذه الأدلة العامة التسوية بين دية المرأة والرجل وعدم التفرقة بينهما، لكن غالب الفقهاء قد ذهبوا إلى أن دية المرأة نصف دية الرجل، واستدلوا بما رُوى عن النبى - صلى الله عليه وسلم: «دية المرأة نصف دية الرجل»، وأخبار أخرى بنفس المعنى، ولو صحت هذه النصوص لكانت فاصلة فى المسألة، لكن العلماء تعقبوها وأثبتوا ضعفها جميعًا، والضعيف من السنة لا تقوم به حجة، ولا سيما إذا تعلق الأمر بالدماء، واستدلوا كذلك بفعل بعض الصحابة وعدم وجود المخالف لهم، فعدوه إجماعًا. والحقيقة أن المسألة ليس فيها إجماع؛ فقد ذهب طائفة من علماء السلف والخلف إلى أن دية المرأة كدية الرجل، ومنهم ابن علية والأصم، وبه أخذ الغزالى والشيخ شلتوت، ومع وجود رأى مخالف لعلماء معتبرين يكون القول بانعقاد الإجماع مخالفًا لتعريف الإجماع الذى يقتضى اتفاق أهل الحل والعقد على رأى واحد فى المسألة.
 
ومع احترامنا وتقديرنا للفقهاء الذين ذهبوا إلى أن دية المرأة بمقدار النصف من دية الرجل - وإن كان هذا الرأى يشبه الإجماع - إلا أنه لا يستند من وجهة نظرى على دليل واحد يعول عليه، وحتى لو ثبت عن بعض الصحابة القضاء به، فإن العبرة بما حملت الأدلة من الكتاب والسنة، وما سبق ذكره منهما دال بوضوح على عدم الفرق بين الرجل والمرأة فى الدية، كما أن القول بنقص دية المرأة عن دية الرجل ليس فى مصلحة ديننا الحنيف وشريعته السمحة، بل المصلحة فى إظهار عدالة إسلامنا وتأكيد مبدأ المساواة بين الرجال والنساء، ثم كيف يسوَّى بين المرأة والرجل فيما هو أخطر من المال، وهو القصاص، حيث يقتص من الرجل إذا قتل امرأة، ومن المرأة إذا قتلت رجلًا، ثم يفرَّق بينهما فى الدية التى هى متعلقة بالقتل أيضًا؟!
 
ويؤيد ما أراه مجتهدًا أن العقوبات الواردة فى الجرائم الأخرى لم تفرق بين الرجال والنساء؛ ففى السرقة يقول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ}، وفى الزنى يقول عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}، وفى القذف (اتهام الآخرين بالزنى) يقول سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}، وفى الحرابة «الإرهاب»يقول تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}، وغير ذلك كثير مما هو معروف فى باب العقوبات فى الفقه الإسلامى.
 
وعليه، فإن هذه القواعد المنضبطة تقتضى أن تكون دية المرأة كدية الرجل تمامًا، ولو قيل إن الديات من الأموال، والمرأة تختلف عن الرجل فى الميراث؛ حيث تكون على النصف من أخيها، فكذلك تختلف ديتها عن دية الرجل، فتكون على النصف من ديته؛ فإننا نقول إنه قياس مع الفارق من وجوه، منها أن اختلاف الأنصبة فى الميراث المستحق لا علاقة له بالذكورة والأنوثة، بل يرجع لتفاوت الاحتياج إلى المال بين المرأة وأخيها الذى يتحمل أعباء مالية أكثر منها، كمهر الزواج والإنفاق على الزوجة وغير ذلك، بخلاف المرأة التى تأخذ مهرًا وينفق زوجها عليها، كما أن نصيب المرأة فى الميراث ليس فى جميع الأحوال على النصف من نصيب الرجل، بل تساويه فى حالات، وتزيد عليه فى حالات أخرى، وترث فى بعض الأحوال ولا يرث مساويها من الرجال، ومتى ثبت هذا لم ينتظم أصل فى ميراثها يقاس عليه، وهناك وجه آخر لبطلان القياس السابق، وهو أن الدية دائرة بين العقوبة والتعويض المالى، فلا تقاس على النصيب فى الميراث الذى لا علاقة له بعقاب أو تعويض مالى، بل هو حق أوجبه الشارع الحكيم لتنظيم انتقال الأموال من ملكية مَن مات إلى ورثته، ولذا فإن ما تطمئن إليه النفس هو تساوى الدية بين المرأة والرجل، كما تساويا فى القصاص.
 
 

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة