خالد صلاح

محمد حبوشه

"كريم ونسرين".. ثنائى قادر على صناعة البهجة

الجمعة، 08 فبراير 2019 11:16 م

إضافة تعليق

تعد الكوميديا من أصعب الفنون تجسيدا على الشاشة الصغيرة والكبيرة على السواء، وأيضا يعد الكوميديان عملة نادرة في هذا الزمان، وربما يرجع ذلك إلى استخفاف صنّاع السينما بالكوميديا، وأن المنتجين يعتبرون الفيلم الكوميدي دراما درجة ثانية، ويختارون نصوص ضعيفة، تناقش موضوعات سطحية، والأمر المؤكد أن صناع الفيلم الكوميدي هم المسئولون عن الاستخفاف به لابتعادهم عن تقديم كوميديا الموقف، ومناقشة القضايا الاجتماعية المهمة بشكل كوميدي راق، واتجاههم لكوميديا الألفاظ المسيئة و"الأفيهات"، والمعتمدة على مدى خفة دم الممثل في حد ذاته، ولهذا لابد من التأكيد على أن الفيلم الكوميدي سلاح مهم، وحث صنّاع السينما على تقديم أفلام تعيش، ومناقشة موضوعات جادة بمعالجة كوميدية، اقتداءا بما شهدته السينما من أفلام باقية حتى يومنا هذا، مثل أفلام "نجيب الريحاني" ، التي رغم قلتها، إلا أننا تكتشف في كل مرة نشاهدها جوانب جديدة فيها، وكأنك تشاهدها للمرة الأولى.

الحقائق تؤكد أنك حين تضحك على مواقف كوميدية في سياق فيلم كوميدي فهذا لا يعني دائماً أن تكون الصورة دائما أحلى، فأنت غالبا تدفع المال لتشتري البهجة والمتعة في السينما، فتخرج مفلسا مكتئبا، فقد تذهب بالفعل مع أسرتك إلى الصالة منحازا لفيلم عربي كوميدي، وإذا بك أمام صورة لا هي جميلة ولا ظريفة، بل إنها لا تمت إلى الكوميديا الفنية الحقيقية بصلة فتخرج مصدوماً، ونادراً ما تشعر بالرضا، وبأن صناع الفيلم أضحكوك ولم يضحكوا عليك، وبأنك استمتعت بالسهرة معهم، لأنهم يقدرون معنى الكوميديا ويقدمونها بكل شروطها ومواصفاتها، لا وفق شروطهم وعلى مقاسهم.

ومن تلك النوعية من الأفلام الكوميديا المبهجة التي تشعر فيها بالرضا الكامل فيلم "نادي الرجال السري"، والذي شاهدته مؤخرا ولفت نظري إلى مولد ثنائي قادر على صناعة البهجة الحقيقة في ثوب كوميدي رشيق، هما النجم المصري "كريم عبد العزيز"، والنجمة السورية "نسرين طافش"، فسرعان ما تلاحظ من المشاهدة الأولية وجود كمياء خاصة تجمع بينهما، ومن ثم تفضي إلى قدرهائل من المواقف الكوميديا القادرة على انتزاع الضحك من القلب، وأيضا ستجد تجانسا كبيرا بينهما وبين باقي فريق العمل، الذي برع كل منهم في دوره مثل النجمة"غادة عادل" بأدائها السلسل والبسيط كعادتها، والنجم "ماجد الكدواني" الذي أبدع بلتقائية وعفوية أداء ساحر لدور"فؤاد"، وكذلك الحال لكل من النجوم "بيومي فؤاد" الذي غير جلده تماما في دور - حيرم - وأكرم حسني، أحمد أمين، حمدي الميرغني، وهشام ماجد "وحتى المؤلف "أيمن وتار" في أداء متناغم.

انسجام الثنائي "كريم ونسرين" في هذا الفيلم يذكرنا بثنائيات الزمن الجميل والفن الراقى والتى لا ننساها أبدا مثل: "العندليب عبد الحليم حافظ وشادية"، وعمر الشريف وفاتن حمامة حيث قدموا العديد من الأفلام الرومانسية، وكان الثنائى "فؤاد المهندس وشويكار" الأبرز فى السينما المصرية، فطوال مشوارهما الفنى الملىء بالأعمال الفنية التى أثرت هوية ووجدان المشاهد العربى قبل المصرى، وكذلك قدم النجمان نور الشريف وبوسى ثنائيا ناجحا، كما قدمت نجلاء فتحى مع محمود ياسين، عددا كبيرا من الأفلام الرومانسية العذبة، ودارت معظم الأفلام التى قدمها الثنائي "عادل إمام ويسرا" في إطار كوميدى، ولكن ارتباط الجمهور بهما، جعلهما واحدا من أهم الثنائيات الفنية.

وفى الوقت الحالى ظهر العديد من الدويتوهات السينمائية بين الفنانين أبرزهم الثنائى "دنيا سمير غانم وأحمد حلمى" فكان الأكثر نجاحا فى الفترة الأخيرة، ولاننسى بالطبع النجمين "أحمد السقا ومنى زكى" اللذين برعا فى ظهور حالة جديدة فى السينما المصرية، وأخيراً يأتي الثنائى "محمد إمام وياسمين صبرى" فى فيلمهم الأخير"ليلة هنا وسرور"، باكورة إنتاج "شركة سينرجى" التى تظهر للنور، للمنتج الكبير "تامر مرسى" والذى حقق إيرادات كبيرة منذ طرحه فى موسم عيد الفطر الماضى.

وأعود للثنائي الجديد "كريم ونسرين" اللذين قدما فانتازيا كوميدية قادرة على صناعة البهجة في فيلم "نادي الرجال السري" بفضل كاميرا "خالد الحلفاوي"، وكذلك الموسيقى التصويرية للمبدع "عمرو إسماعيل" حيث ضبطت إيقاع الأحداث على مقام البهجة والفرح، فضلا عن تكامل العناصر الفنية في مجمله، مثل ديكور "إسلام حسن" وتصوير "مصطفي فهمي" وخاصة مونتاج "سلافة نور الدين" المتميز، ولعل نجاح الفيلم يأتي جراء سيناريو "أيمن وتار" الذي خالف هذه المرة كل التوقعات السابقة حيث كان لم يستعجل الكتابة كعادته، مثلما فعل في فيلمي "الكويسين" و"الأبلة طمطم"، ومسلسلي "الوصية" و"هربانة منها"، لكنه هذه المرة اجتهد في صناعة نص متقن للغاية، في إطار فانتازي كوميدي خفيف الظل، بعيدا عن الاستخفاف والاستهبال، والتهريج البعيد كل البعد عن التمثيل وأصوله ومتطلباته.

المرأة لم تعد "عروة في جاكيت البطل"، تلك حقيقة لمستها جيدا في أداء "نسرين" مع "كريم" في أغلب المشاهد بينهما، حيث يبدو "كريم" خفيف الظل، وقد أدى دوره هذه المرة بطريقة مختلفة اعتمدت على خفة الدم‏,‏ والحس الساخر‏,‏ والروح المرحة، فقد ركز "كريم" على لغة الجسد، والتعامل معه لا بوصفه جسداً يتحرك، وإنما جسد يفكر وينتج - بحس ذاتي - ليصنع التوازن المنشود مع الروح والواقع، حتى حقق التجسيد الكامل لشخصية" أدهم"، وأداه في إطار الخبرة المكثفة والمتراكمة بداخله كممثل محترف، وهو ماجعله يتفهم جيدا بيئة العمل ويتفاعل معها تفاعلا حساسا وعميقا، وواضح جدا أنه يملك قدرة على الفرز لاصطفاء المفيد وتجنيب غير المفيد بخبرة وحنكة درامية طويلة، وهى عناصر أساسية في العمل، إلا أنها لايمكن أن تغني عن الحرفة السينمائية‏ لدى نجم تمرس طويلا على الأداء الاحترافي.

بينما نجد "نسرين" واحدة من نجمات ذات طراز رفيع في الأداء الكوميدي، على الرغم من اشتهارها بالأعمال التراجيدية في الدراما السورية، فلقد أثبتت "نسرين" أنها تملك بالفعل موهبة حقيقية، وطاقة إيجابية عالية للغاية، وهي في ذات الوقت قادرة على سرقة الكاميرا من أي بطل أو بطلة أمامها، وقد برعت في تقديم نوعية أفضل من الأداء العذب، وظني أنها بهذا الفيلم قد حجزت لنفسها مكاناً مميزا في قادم الأيام بين نجمات الكوميديا النسائية، بحيث يمكنها أن تنافسهم بقوة، وهي قادرة على التألق أكثر، إن وجد من يقدم لها ورقا أفضل، وذلك بحكم معرفتي بها كممثلة تملك القدرة على تحويل دفة الأداء نحو فن راق يخطو نحو آفاق جديدة تعلي من شأن القيمة والمعنى.

وهنا أحب أن أستعرض جانبا مهما في حياة نسرين طافش كممثلة، فهى تبدو صاحبة فراسة منذ إطلالتها الأولى فى مسلسل "ربيع قرطبة"، رائعة "المخرج حاتم علي، وتأليف وليد سيف" فقد جسدت ببراعة شخصية "صبح"، تلك الجارية صاحبة الوجه الغض الندي، وعلى الرغم من ظهورها الأول على الشاشة في هذا المسلسل، إلا أنها - على مايبدو - تعى جيدا درس "ستانسلافسكي" صاحب كتاب "فن إعداد الممثل"، فى "إن أى فعل لا يستند إلى إحساس داخلى هو فعل لا يستدعى الانتباه، وإن أى فعل تمثيلى لابد له ما يبرره تبريرا داخليا، ولابد أن يكون فعلا منطقيا ومتصلا ببعضه اتصالا معقولا وواقعيا"، لذا ظهرت فى بداية الأمر بوجه يحمل قدرا من الخجل وبروح نقية صافية، سرعان ما غلبتها حياة السلطنة، لكنها ظلت قابضة على جمر المحبة بين جوانها، وتزداد شوقا كلما دنت بقرب الحبيب المتخفى بطموح جامح نحو السلطة والجبروت، ذلك الذى أفسد تلك العاطفة الوحيدة فى حياتها، عندما توارى الحب خلف الشبابيك والمشربيات المغلقة.

و صارت على درب مختلف من البراعة، حينما ظهرت فى مسلسل "الشام العدية"، وهو من نوعية "البيئة الشامية"، وعلى الفور تدرك وعيا آخر لنسرين يشير إلى أن "التمثيل بخصائصه الشبيهة بالسلوك البشرى يعتبر أكثر قدرة من أى فن آخر على الكشف عن الجوانب الحياتية والثقافية والوجدانية للإنسان، ما جعلها تتفاعل على نحو جيد مع بيئتها، تفاعلا حساسا وعميقا مكنها من الانسجمام مع الأدوار الأخرى فى المسلسل، ومن بعده تذهب بنا مع "ليلي" فى مسلسل "صبايا" كفراشة لعوب تظل طوال الوقت تنتنقل بخفة وشقاوة لاتخدش الحياء بقدر ما تعكس روحا محبة للحياة والناس من حولها، وفي "بقعة ضوء" أصبحت مدركة تماما أن الممثل الكوميدى لابد أن يقدم جهدا استثنائيا فى أدائه الأدوار الكوميدية، وشيئا من هذا شاهدناه أيضا في دور"هيفاء" الفتاة خفيفة الظل فى مسلسل "على طول الأيام".

أما فى شخصية "رنا" بمسلسل "السراب" فقد غيرت جلدها مبدية نوعا من الجرأة المستمدة من أب عصرى متفتح وأم روسية تمقت تقاليد الشرق، لكنها برعت فى إحداث نوع من التوازن ما بين الجرأة التى تغوص إلى عمق الواقع وتكسر الجدران العالية للتابوهات المعتادة وتفضح فساد النفوس، وبفطنة الممثلة المحترفة لم تغرق ولو قليلا فى وحل من الابتذال، وتغرّد بعيداً عن واقع مجتمعها، ليصبح همها الأول طرح ما يثير الغرائز ويحدث صدمة لدى مشاهدته، ليس بسبب جرأته وإنما بسبب وقاحته.

وبعذوبة تعاود"نسرين" التألق بمسلسل "الانتظار" من خلال دور "باسمة" التى تعانى ظروف المعيشة الصعبة، وفى داخلها حلم شامية طامحة نحو الخلاص من حياة البؤس والشقاء والانطلاق إلى مراتع الرفاهية، وقد راعت فى هذا المسلسل عنصر المظهر البدنى من تناسق الجسم الذى سعت من خلاله جاهدة لتطوير ما يتمتع به هذا الجسد من خصائص بدنية أضفت عليها نوعا من الاعتناء بالشخصية وأزيائها ومكياجها وسلوكها لخدمة العمل الدرامى الذى يميل إلى نوع التراجيديا الإنسانية، تماما كما فعلت في تجربتها السينمائية الأولى في مصر "نادي الرجال السري"، وكأن لسان حالها يقول: لابد أن يكون الممثل واعيا ومثقفا ويعتمد آلية تمثيل متطورة ولا يكون متخشبا لاحياة فيه, وأن يكون يقظا وحساسا وغير اندماجي، وأن يتمتع بخيال خصب يستطيع أن يسبر غور الشخصية التى يراد تمثيلها وذلك بالتعرف الجيد على كل الأبعاد التى تتمتع بها تلك الشخصية

ظني أن نسرين في "نادي الرجال السري" قد وصلت لأعلى درجات التألق، تماما كما بدت بدورها الأيقوني فى مسلسل "جلسات نسائية" من خلال شخصية "هالة" النابضة بالحيوية  المبطنة بالرمانسية الدافئة، ومن بعده "كاتيا" فى "تحالف الصبار" و"دارين" بمسلسل "فى ظروف غامضة" ووصولا إلى "ضحا" البدوية فى "الطواريد"، وآخر مسلسلاتها "شوق"، والتى صارت بعده رقما صعبا فى الدراما العربية، فقد نجحت مجدداً فى إثبات تميزها على الشاشة الفضية، رغم أنها جازفت بالرهان الخطير الذى قبلته فى "شوق"، وألقت على عاتقها مسئولية فنية جادة فى تجسيدها للشخصية المحورية بمشاعر فياضة وأداء استثنائي، كتب لها جدارة وجسارة أول من يأخذ بيد العمل الدرامى إلى النجاح كبطلة مطلقة تنسجم بحرفية مع جميع أسرة العمل على اختلاف خبراتهم حين بادلوها حبا بحب فجاءت البطولة جماعية بامتياز.

ونفس اشيئ تكرر تماما في "نادي الرجال السري" حيث أبدت فيه"نسرين"، فتنة خاصة بمزيج من الرومانسية وشغف الأداء لتلامس القلوب التواقة للفن الراقي، وكأنها شهد رضاب قد سرى لتوه لينثر رزاز السعادة بمحبة صادقة تقوى على استدعاء أجمل فى حياتنا العربية، ومع ذلك لم تستغل "نسرين" على الوجه الأمثل دراميا بعد، فرغم كل ما مضى من إنجاز يحسب لها، فإنها تملك صوتا عذبا قادرا على لعب أدوار استعراضية غنائية مذهلة.

 


إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة