خالد صلاح

مخرجة وكاتبة "Afterward" لـ"اليوم السابع": الفيلم يغوص فى أعماق اليهود والألمان والفلسطينيين كضحايا وجناة.. تربيت على الخوف والكراهية للألمان وحان وقت الحوار.. وأردت من الفيلم التخلص من مشاعر "شيطنة الآخر"

الإثنين، 09 ديسمبر 2019 12:30 م
مخرجة وكاتبة "Afterward" لـ"اليوم السابع": الفيلم يغوص فى أعماق اليهود والألمان والفلسطينيين كضحايا وجناة.. تربيت على الخوف والكراهية للألمان وحان وقت الحوار.. وأردت من الفيلم التخلص من مشاعر "شيطنة الآخر" أوفرا بلوخ
حاورتها فى نيويورك: إنجى مجدى

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

فى رحلة بدأتها من ألمانيا ومرت فيها عبر إسرائيل وفلسطين، ذهبت المعالجة النفسية الأمريكية أوفرا بلوخ نحو الغوص فى أعماق ضحايا الحروب والصراعات "بلوخ" التى تحمل بداخلها مشاعر مختلطة كطفلة تربت فى كنف عائلة ناجية من المحرقة النازية وفى الوقت ذاته تشعر بالمسئولية نحو الشعب الفلسطينى كإسرائيلية خدمت فى الجيش عام 1968، دفعتها تجربتها الشخصية لرغبة شديدة نحو الحوار عن القرب مع أبناء جلادى اليهود ومع الضحايا الفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلى.

فى عام 2012 قررت بلوخ، التى ولدت فى القدس وتعيش فى الولايات المتحدة منذ 40 عام وهى متخصصة فى علاج الصدمات،الذهاب نحو استكشاف العقبات النفسية التى تعترض طريق السلام فى الشرق الاوسط ومضاهاة الآثار النفسية التى تركتها كلا من المحرقة النازية على اليهود والعنف الإسرائيلى على الفلسطينيين والأجيال المتعاقبة لكلا الشعبين، وتوثيق ذلك عبر عمل مصور حى يرصد سلسلة الخوف والكراهية التى تتوارثها اجيال وكيفية انتقال آثار الصدمات من جيل لآخر من خلال فيلمها " بعد ذلك Afterward" تسعى بلوخ لفحص الجروح السرية التى يحملها الضحايا وكذلك الجلاد الذى كان قبلا ضحية.

ونظرًا لأنها ضحية في ألمانيا ومرتكبة الجريمة في فلسطين، فإن بلوخ قررت مواجهة من تربت على كراهيتهم والخوف منهم، من خلال بحثها لفهم حكايات الهولوكوست والنكبة، والمقاومة العنيفة وغير العنيفة، وإمكانية المصالحة فى فيلها "Afterward". الفيلم الذى سيتم عرضه فى تل أبييب الشهر المقبل، وعرض قبلا فى العديد من المهرجانات الدولية والمحلية، تم عرضه فى جمعية مراسلو الأمم المتحدة فى نيويورك، الشهر الماضى، حيث التقى اليوم السابع مع صناع الفيلم وحظى بلقاء خاص مع كاتبته ومخرجته اوفرا بلوخ، والتى كشفت عن الكثير من رحلتها للأراضى الفلسطينية المحتلة، كما كشفت عن الكثير فيما يتعلق بفترة خدمتها فى الجيش الإسرائيلى والتى شملت حرب الاستنزاف فى مواجهة الجيش المصرى، لتكشف أيضا عن قناعتها منذ اندلاع الحرب بأن سيناء أرضا مصرية خالصة وأن ما تم الاستيلاء عليه من أراضى فلسطينية هو احتلال. وإلى نص اللقاء:

بداية ما الذى قادك إلى رحلة فيلم "Afterward

الفكرة التى تقع فى قلب الفيلم جاءت من شعورى بالحاجة إلى الاستماع إلى اولئك الأشخاص الذين لم ألتقهم قبلا قط (الاستماع إلى الألمان الذين يشعرون بالمسئولية حيال ما حدث لليهود على يد النازيين وإلى ابناء الناجين من النازية وإلى الضحايا الفلسطينيين). اردت التركيز اولا على الجيلين الثانى والثالث من ضحايا الهولوكست، كما كان هدفى الأساسى من إنتاج فيلم حول مقابلاتى مع الجيلين الثانى والثالث من أحفاد الجناة الألمان هو الرغبة فى التخلص من مشاعر الخوف وشيطنة الألمان.

بعد انتهاء التصوير فى المانيا وعودتى، بات واضحا أنه كان على لقاء مجموعة أخرى من "الآخرين" الذين تربيت أيضا على الخوف منهم، وهم الفلسطينيين.

ما افعله مع مرضاى هو الجلوس والاستماع إليهم دون القفز إلى احكام أو استنتاجات لذا ادخل واندمع مع تجارب الآخرين وأتعاطف معهم مما يجعلهم يشعرون بالراحة وهذه هى بداية "الحوار". 

أعتقد أن كل شخص لديه الحقيقة، وهناك مكان لأكثر من حقيقة واحدة وينبغى على الناس ان يتعرفون حقًا على بعضهم البعض، ما نحتاجه هو الحديث معا والاستماع لبعضنا، هذا هو الجذر والطريق إلى المصالحة.

ذهبت إلى الفلسطينيين فى أراضيهم للحديث معهم عن قرب ولم تكن هناك علاقة مسبقة.. ألم تساوك مخاوف من أن يتم طردك أو التعامل معك بعنف من قبل أحد عائلات الضحايا؟

لم أشعر بالخوف من ذلك فهذه ليست المرة الأولى التى ألتقى فيها بفلسطينيين، لكن هناك مكان وحيد الذى شعرت فيه بالخوف وهو المدينة القديمة بالقرب من بوابة مسجد وكان يوم جمعة بينما بدأت قبلها بأسبوع ما يسمى بانتفاضة السكين عام 2016. كنت على وعى بأنه ربما يتم التعرف عليها واستهدافى وأتذكر أننى ابلغت المنتج، الذى كان فلسطينيا من القدس الشرقية، أن يتحدث إلى بالإنجليزية وليس العبرية حتى لا يعتقد أحد أننى إسرائيلية، ومع ذلك لم يكن ذلك نابعا من شعورى بالخوف من الفلسطينيين وإنما من واقع (الغضب) الذى كان يجرى فى ذلك الوقت.

قلت فى فيلمك أنك تربيت على الخوف من الفلسطينيين، فلماذا لم تشعرى بالخوف عندما ذهبتى إليهم؟

الأمر لا يتعلق بعلاقة شخص لشخص، لكن ربما أكون أنا رمزا للاحتلال ومن ثم أصبح هدفا.

نعم شعرت بالخوف أحيانا لكن ليس دائما، وبالمناسبة كان هناك جنود إسرائيليين ينتشرون فى كل زاوية وهو ما لم أحبه، لا أحب الوجود العسكرى فى الحياة اليومية رغم أنهم كانوا يحمونى، عموما لا يوجد أبيض وأسود.

ما هو التأثير الذى تركه عليك الفيلم؟

لقد كانت رحلة استغرقت ست سنوات، وكنت سعيدة بأنها تسير ببطئ لأننى أنمو معها.

التأثير بدأ من نقطة اهتمامى الأساسية وهى "انتقال الصدمة بين الأجيال"، لذا فأنا دائما أركز على ما يشعر به أبناء واحفاد الضحية. كان صيف 2012 عندما استيقظت ويدور فى عقلى تساؤل بشأن تجربة وشعور ابناء الجناة وتأثير هذا التاريخ عليهم، ثم أدركت أنه ما لم اذهب للتعرف عليهم والحديث معهم عن قرب فإن الخوف والكراهية سيتواصلوا وينتقلوا من جيل لآخر إلى الابد، فدائما ما تنبع الكراهية من الخوف.

قررت الذهاب إلى ألمانيا للقاء أبناء الجناة ممن يتعاملون بالفعل مع ما حدث لليهود وليس أولئك الذين قالوا انسوا ما حدث.

لم أرهم مذنبون لكننى أردت أن أعرف ماذا يعنى لهم ما حدث. عندما عدت أدركت أن القصة ليست مكتملة، لأنه الألمان مجموعة واحدة ممن تربيت على الخوف منهم، إذ ان هناك مجموعة اخرى تربيت ايضا على الخوف منهم وهم الفلسطينيين،  كان الإرهاب مبررا قويا للخوف وبالطبع كنت اشعر بالخوف لكن ماذا بعد؟ ماذا يقبع بالاسفل؟ ما هو شعور شعب تحت الاحتلال؟ لذا كان على ان اتحدث إلى الفلسطينيين، ومن ثم أدركت فى الوقت ذاته أن القصة ليست حول الألمان أو الفلسطينيين وإنما القصة تتعلق بى، إنها معركتى وتجربتى مع الذكريات القديمة التى تعود للطفولة.

78681e8d-7dde-4f00-a759-c2089f156e16

وما الذى خلصت به من مقابلاتك مع الفلسطينيين؟

شعرت بالاكتئاب فى نهاية الفيلم لأننى ادركت أنه على الرغم من مغادرتى إسرائيل قبل 40 عاما لازلت اشعر بأننى متورطة بطريقة ما فى الاحتلال، كما أن شعورى بالمسئولية والالتزام لفعل شئ ما أصبح اقوى كثيرا من ذى قبل.

أنا دائما أقع على يسار الخريطة السياسية وأتذكر محادثة بينى وصديقتى فى الجيش عام 1968 بعد عام من حرب الستة أيام، فخلال فترة الراحة وبينما كنا نحتسى القهوة سألتها "متى سنرد الأراضى المحتلة؟" ثم نظرت إليها بأعين ثابتة ودون تردد فى قوة "لن نعيد قط الأراضى المُحررة؟".

لكن هناك تناقض فى هذه النقطة لأنك كنتى مجندة تخدمين فى الجيش للدفاع عن هذه الأراضى بإعتبارها إسرائيلية بينما فى عقلك تعرفين أنها ليست كذلك؟

الطفل يدخل المدرسة الابتدائية ثم الاعدادية والثانوية ثم يلتحق بالجيش الألزامى ويكون ذلك فى سن صغير 18 عاما، ذهبت للدفاع عن الحدود دون ان افكر بأننا نسيطر على اراضى الآخرين. نتحدث عن أمر منذ 55 عاما مضت وكان ذلك من اجل تحقيق السلام لكن عندما تحدثت إلى صديقتى أدركت أننا لسنا على نفس الاجندة وكان هذا صادما لى.

e

هل لازلت مقتنعة بأنها أراضى محتلة؟

بالطبع

من اجل من صنعت الفيلم لليهود أم الفلسطينيين؟

المشكلة تتعلق بأولئك المتفرجين، اولئك الذين يقفون يشاهدوا مآسى الآخرين فى صمت ودون تدخل، مثل بعض الألمان ممن كانوا يعيشون حياتهم اليومية بشكل طبيعى عندما كانت تقع تلك الجرائم بحق اليهود وكأن شئ لا يحدث وأولئك الذين يشاهدون الوضع فى الأراضى المحتلة ويواصلون حياتهم بأريحية.

علينا جميعا أن نجد السبيل لرفع الظلم.

تصنف الولايات المتحدة بعض الجماعات الفلسطينية كإرهابية.. فهل ترين جميع الفلسطينيين كضحايا؟

نعم أرى جميعهم ضحايا لكن كيفية رد فعلهم على الاحتلال تختلف من مجموعة لأخرى. لا أحب العنف من أى من الجانبين وهناك جماعات مثل حماس لا تريد وجود إسرائيل بالأساس.

عموما لم أذهب إلى هناك لأحكم على الأفعال ولكن لأفهم كيف يشعر الفلسطيين وكيف لشاب صغير أمامه المستقبل اختار التضحية بحياته أو باسرته للقيام بعملية ما (العمليات الانتحارية).

ليس لدى تفسير لذلك لكن أعتقد أن ربما يشعر البعض باليأس وآخرون يجرى غسيل أدمغتهم وغيرهم صغار فى السن. لكن فى النهاية لو لم يكن هناك احتلال ما كان هذا حدث. 

f24dcc1b-1dd1-4b67-b7ba-da88fa608012

ما حدود الحقوق الإسرائيلية بوجهة نظرك؟

هذا أمر معقد. ليست إجابته بنعم ولا. فهناك قضية حق إسرئيل فى الوجود والتى لا يعتقد بها البعض، لكننى ارى أن الناس عليها أن تعيش مع الواقع بغض النظر عما إذا كان ما حدث صح أو خطأ. علينا أن ننظر حولنا فهناك ملايين الناس تعيش على هذه الأراضى وعلى الإسرائيليين والفلسطينيين أن يجدوا سبيلا للتعايش.

هل تدعمين حل إنشاء دولتين؟

لوقت طويل كان حل الدولتين احتمال رائع، وعندما كنت اتحدث لصديقتى فى الجيش قبل 40 عاما قلت لها لنضع الحدود ونصنع السلام وننهى القصة، لكن الآن هناك مشكلة إذ يوجد نحو مليون مستوطن يهودى. إذا كان لدى الخيار، فارى أنه من الرائع إذا كانت هناك دولة واحدة تسمى "إسرافلسطين" يعيش داخلها الشعبين بحقوق متساوية للجميع، لكنه خيار مثالى لن يتحقق، ففى النهاية على الجميع أن يجلسوا ويستمعوا لبعضهم البعض. فإذا اقر الجانبين المسئولية عن معاناة بعضهم البعض يمكنهم إيجاد حل.

هناك مشهد فى الفيلم لشاب فلسطينى يطعن إسرائيليا.. هل ترين الإسرائيليين ضحايا أيضا؟

لا اؤمن أنه قتل رمز ولكنه قتل إنسان لذا عندما يقُتل شخص يكون ضحية. فى النهاية لو لم يكن هناك احتلال لم يكن هناك قتل. الناس تموت على كلا الجانبين وتستمر المعاناة والألم دون نهاية.

هل تدعمين قرار إعلان الرئيس الامريكى دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل؟

بالطبع لا، بالعكس شعرت بالرعب جراء الخسارة التى سيسببها هذا القرار والأمر ذاته بالنسبة لمرتفعات الجولان، إنه جنون. هذا لا يخدم السلام فى المنطقة.

هل تعتقدين أن هذا هو الضرر الوحيد الذى ألحقته سياسات ترامب فى الشرق الأوسط؟

بقراره هذا وضع السكين الأخير فى الشرق الاوسط وأصبح الوضع خارج السيطرة

ذكرت رايك بشأن احتلال إسرائيل للاراضى الفلسطينية فى 1968.. فكيف كنت ترين الحرب مع مصر؟

كنت أخدم فى وحدة المدفعية خلال حرب الاستنزاف وكان عملى يعتمد على تحديد الأهداف إذ كان هناك إطلاق نار دائم بين مصر وإسرائيل. عندما تلتحقين بالجيش فى سن صغيرة لا تفكيرين فى كثير من الأمور، لكننى بعد ذلك أدركت أن القذيفة عندما تنطلق تصل إلى أشخاص وليس جيش، فهناك بشر حول هذه الأهداف التى يتم استهدافها ودائما ما أفكر فى الأمهات اللاتى يفقدن أبنائهن فى الحروب . كثير من الإنسانية تضيع وقت الحرب، وقتها لم أشعر بالذنب بشأن تحديد أهداف لقصفها، لكننى بعد ذلك أدركت أننى كنت أشارك فى شئ لا أريده.

خلال حربكم ضد مصر،هل كنت ترين أن إسرائيل تسعى لإحتلال أراضى مصرية؟

نعم، سيناء لم تكن تتعلق بإسرائيل قط وكنت أرى الأمر نفسه بالنسبة لغزة، رغم أننى كنت أتمنى أن تسيطر مصر على غزة وتضمها. نعم أردت كل شئ أن يعود لأصحابه وهذا كان أملى فى السلام وبالفعل تحقق كثيرا من إتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. ليس من الواقعى أن أمل فى علاقة حب كبيرة بين البلدين، لكن العلاقة الحالية القائمة على التعاون هى خبرة صحية يمكن من خلالها بناء الثقة.

جدتك الكبرى هاجرت إلى مصر مع عائلتها..ماذا أبلغتك عائلتك عن مصر؟

فى البداية هاجرت جدتى لأمى، التى كانت فتاة مراهقة مع اخواتها الأربعة ووالديها من أوكرانيا إلى إسرائيل هربا من جحيم البوغروم خلال الحرب العالمية الأولى (موجة اضطهاد لليهود)، لكن توفى جدى وأصبحت جدتى الكبرى (جدة أمى) أرملة بخمسة بنات، وبينما كانت تعيش فى يافا حتى جاء الأضطهاد التركى اضطرت الأرملة الشابة اللجوء ببناتها إلى مصر واستقروا فى الاسكندرية. لا أعرف تفاصيل عن حياتهم فى الاسكندرية لكننى أتذكر ذلك الشعور الجميل الذى كان ينتاب جدتى واخواتها عندما كن يتحدثن عن الاسكندرية.

وفى مصر ألتقت جدتى بجدى الذى كان يخدم مع القوات البريطانية ووقعا فى الحب وتزوجا، عادت العائلة جميعها إلى فلسطين وعاشوا فى أول حى لليهود خارج يافا فى تل أبيب، وكان يسمى حى "نيفيت سيديك"، ولدى صور لأمى عندما كانت طفلة صغيرة هناك، كما أن جدى كان واحدا من اولئك الذين بنوا بلدة رامادجا فى إسرائيل.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة