هذه الكلِمات بها سمٌ قاتِل لبعض أحبابى... ما قبل خروج الروح تذكرت أنني كاتِب، ولكن هذه المرة ستُروى كتاباتى علي لسانِ غيرى، وستعبر عنها آلامى، وسيعجز عن وصفها قلمى، فالحبرُ قد جف والدمع قد سال ولا مجالَ لمزيدٍ من الآمال.
الآن أنظر مبتسماً إلي شيء لم أتمكن من رؤيته أبداً، شيء بلا لونٍ ولا صوتٍ ولا رائحة كأنه الموت.
فرأيت شريطاً من الذكريات يتناثر أمام عيني، وصور لكل مراحل عُمري، ومواقف وأصدقاء وخطوط سوداء وأخري بيضاء تَشكَلت في هيئة رموز مُدونةً علي أوراق كأنها أعمالي.
فشعرت بدموعٍ تسيلُ من قلبي حزينةً علي فُراقنا، ورأيت قلمي واقفاً أمام عيني ينزف حبرهُ الذي يجري داخل شرايينه مُشاركني إحساس الموت، وصوت غريب آتٍ من بعيد يهمس قائلاً لقد آن الأوان يا ابن آدم.
فشعرت كأنني في آخر لحظة من امتحان نهاية العُمرِ، ولا أعلم هل إجاباتي صحيحة أمّ خاطئة، ولحظة ندم علي كل خطأ مضي، وحنين لأيام الصِبا ومُبتدأ العُمر ومُلتقي الأصدقاء، ولأول شعور في كل بداية جميلة، ولحبيبتي، وأمي وأبي وإخوتي.
يا سكرة الموت مهلاً لقد غفوتُ عنكِ وانجرفت مع تيار الدنيا.
سامحني يا الله لقد ألهتني حياتي كثيراً عن ذِكرك، فأشهد ألا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك.
وإذ فجأة قبضة ارتجف لها البدن وتوقف القلب رهبةً منها، وصوت يُردد في أذني "وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ" .
فخرجت الروح إلي خالقها، وعادت الأمانة إلي مالكها، وآخر شيء أتذكره دمعةً من عين أخي ساقطةً علي وجهي كالجمر .
وكانت آخر وصية أن إنجازي الوحيد من جلست معهم وتعاهدنا علي السير سوياً اعتذاري لكم هذه المرة لم أستطع أن أوفي بوعدي ولكنني سأظل دائما معكم.
الموت حقيقة راسخة ومعركة أزلية ما من أحدٍ ربِحها قَط، والحياة ما هيَ إلا رواية تعددت فصولها، والموت ليس نهاية الرواية بل المقدمة فقط .