في ورقة ضمن ما خلفه "بتهوفن" وُجدتْ هذه الأسطر الدامعة : " الحب ليس غير الحب ، وهو وحده الذي يستطيع أن يجعل الحياة سعيدة ، يا إلهي دعني أجدها، تلك التي في مقدورها أن تدعم فضائلي، تلك التي قد سُمح لها أن تكون زوجتي.."، ومات بتهوفن ولم يسمح له..
الحب أسمى المشاعر الإنسانية وأرقها على الإطلاق ، تتسامى النفوس نحوه لا تحيد عنه، وكلما عرجت إليه خطوة امتد أمامها رحب المدى عالي الذّرى، وهي تزداد شوقاً له رغم مشاق العروج وشموخ المعراج .
ولا يكون الحب حباً إلا إذا تآلفت القلوب واندمجت النفوس وتعانقت الأرواح ، وراء عالم الواقع ومقاييس المادة وقيود الحس وأبعاد الزمن المنظور. والمحب الذي يرى نفسه في فضاء الآخر تلفاه متشبثاً بوجدان رفيق المودة، مشدوداً إليه بأمراس لا تنحل ، وقيود صلبة لا تلين . تعرفه قبل أن تلقاه ، يأخذك أخذ السحر وهو مسلط عليك بجبروته الآسر، تصغي إليه بكل وجدانك فيجرك إلى أصداء بعيدة شجية. وما سار المحب على درب الوجود خطوة إلا لكي يرى من يحب، وما كان يمكن أن يحيد عن الطريق إليه أبداً، وكأنه قد عرفه في العالم الآخر وراء مجهول الغيب، ومجالي الرؤى وفلك الأرواح؛ لينطلقا معاً لتبدأ رحلة الحياة.
وفي لقاء المحبين ترسم اللوحة الشعرية التي يتواطأ فيها القمر مع النجوم في مجلس نضّد بالمسك والعبير، والكل يحيط بالمحبين بإطار رائق من همسات تلمع فيها عيون تتلألأ رقراقة متموجة، وتغرد سواجع الأطيار في عذبات الغصون والأشجار .
وشصب العيش نصيب من حرم مشاعر الحب ، يبحث سدى عن السعادة فيما سواه فلا يجدها كما يجدها المحبون ثمرة نضرة مذللة للمشتهين ، أما المحرومون فهي عنهم جد بعيد، وكلما مدوا إليها أيديهم ابتعدت عنهم وتركتهم يائسين، عندئذ ينكبون طوال حياتهم في بحث لا ينتهي عن ثمار أخرى من ذهب وفضة، وحديقة الحب تشفق عليهم وتنظر إليهم نظرة التشفي تعلوها بسمة الساخرين. والمحرومون يألمون ويرجون من الطبيعة ما يرجوه المحبون، فالحياة تمضي وتزول من تحت أقدامهم، وقد غاب عنهم كل حظ في السعادة التي يعيش فيها من وضع على منكبيه رداء الحب.
والتاريخ يروي لنا قصص أقوام حققوا بطولات في ميدان الحياة، وغيروا وجه العالم، ولكنهم عاشوا فقراء من كل حب، بين سكون النسيان، أغمضوا أعينهم دون أن يبكيهم محب اعتصر وجدانه، والتاع قلبه، وانفطرت نفسه.
بالحب نجلو البصيرة، ونشحذ الوجدان، ونستجدي الوحي والإلهام، فينتشر فيض من التآلف يشيع على الأرض الود والوئام.