خالد صلاح

وائل السمرى

صديق الملوك وصادقهم

الأربعاء، 23 مايو 2018 12:00 م

إضافة تعليق
ما إن يذكر الإمام مالك حتى نتذكر تلك المقولة الشهيرة «لا يُفتى ومالك فى المدينة»، ويشير هذا القول المأثور إلى تمتع الإمام مالك بن أنس، المحدث والفقيه، بمكانة عالية جعلته إمام مدينة رسول الله، ومفتيها الأول، وفقيهها العالم، ومحدثها المدقق الدقيق الثقة.
 
مكانة مالك فى المدينة جعلته مضرب الأمثال، فصارت غاية كل من يتقن وظيفته ويجود صنعته وينال الشهرة والصيت بسبب امتلاكه زمام تخصصه أن يكون كـ«مالك فى المدينة».
 
كان لا يرضى إلا بأن يكون فى كامل زينته حتى وقت فقره، مرددًا: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، وبرغم علمه الكثيف كان يتردد كثيرًا فى الفتوى، وكان يكثر من الرد على فتاوى الناس قائلًا: «لا أدرى»، حتى اشتهرت عنه تلك الكلمة التى كان يعلمها لتلاميذه، قائلًا لهم إن لم تستطيعوا الفتوى فقولوا لا أدرى. وروى عنه أنه قال ذات يوم مستنكرًا ومتعجبًا تدوين فتاواه: إنى بشر أخطئ وأرجع، وتكتبون كل ما أقوله! ونهى تلميذًا له عن كتابة فتواه، قائلًا: لا تكتبها فإنى لا أدرى أثبت عليها أم لا، وروى عنه أنه كان يقول عقب كل فتوى يفتى بها، هذا ما أظنه، مرددًا قوله تعالى: «إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين».
 
ذات يوم عاب تلاميذه عليه تردده على الملوك، فقال: يرحمكم الله، وأين التكلم بالحق، إن لم يكن عندهم؟، كما أنه كان ينهى عن مدح الأمراء والملوك والولاة، وذات مرة سمع ثناء من الناس فى مجلس الحاكم فالتفت إليه قائلًا: «إياك أن يغرك هذا وأمثاله بثنائهم عليك، فإن من أثنى عليك وقال فيك من الخير ما ليس فيك، أوشك أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك»، وكان كثيرًا ما يردد حديث رسول الله: احثوا التراب فى وجوه المداحين، وعلى هذا كان الإمام كثيرًا ما يغلظ القول للخلفاء والحكام، وحينما رأى أحدهم فى موسم الحج وقد ركب موكبًا فخمًا، وأحاطه الخدم، وبدت عليه ظواهر الإسراف، قال له: كان عمر بن الخطاب على فضله ينفخ النار تحت القدر حتى يخرج الدخان من لحيته، وقد رضى الناس منك بدون ذلك، وقال لآخر: تفقد أمور الرعية فإنك مسؤول عنها، فإن عمر بن الخطاب قال والذى نفسى بيده لو هلك جمل بشاطئ الفرات لظننت أن الله يسألنى عليه يوم القيامة، وكتب لخليفة آخر قائلًا: احذر يومًا لا ينجيك فيه إلا عملك، وليكن لك أسوة بمن قد مضى من سلفك وعليك بتقوى الله.
 
• نشرت هذه الحلقات بشكل مطول فى رمضان 2012 تحت عنوان «فقهاء التنوير»، وأعيد نشرها احتفالًا بشهر رمضان الكريم.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة