خالد صلاح

دندراوى الهوارى

مات والدى.. وتوارى معه الحنان والشعور بالأمان.. وشكراً لكل من عزانى!

الثلاثاء، 06 مارس 2018 12:00 م

إضافة تعليق
لم أعتد أن أكتب عن أمر يخصنى، فأنا أرى أن هذه المساحة محجوزة فقط للسادة القرّاء لتعبر عن همومهم وآلامهم وأفراحهم أيضا، والدفاع عن وطننا الغالى مصر وقضاياه، والوقوف فى وجه الظلم والفساد بكل قوة، ولكن ومع وفاة والدى الأسبوع الماضى، لم أتمالك نفسى، وقررت أن أكتب عن رحيله.
 
مات الذى كان يصدح بالحق، والساعى دائما للتصالح بين العباد، ونصير الغلابة والفقراء، والداعم والسند والحصن القوى لنا من رياح وعواصف الأزمات، والزارع فينا الكرامة والكبرياء وقيم الشرف والأخلاق والإباء ونظافة اليد.
 
مات والدى، فى يوم حزين، كئيب، كان وقع خبر وفاته على أذاننا، مؤلمًا، وقاسيا، أفقدنا القدرة على التصديق، وتخيلنا أننا فى كابوس مزعج، سيذهب بمجرد الاستيقاظ، ولكن تبين وبعد مرور ساعات، أنه حقيقة مرة. ومر شريط الذكريات سريعا، أمام عينى، وأنا مستقلا القطار المتجه إلى قريتى، فاو غرب، مركز دشنا، محافظة قنا، مستعيدا ذكرياتى الطويلة مع والدى منذ مولدى وحتى رحيله، التى لا يحصيها من فرط زخمها، عشرات المجلدات.
 
والدى الرجل الذى كان «أميا» لم ينل أى حظوظ من التعليم، أصر على تعليمنا أنا وأشقائى تعليما عاليا، متحديا كل الظروف والصعوبات ونصائح باقى العائلة، من أن التعليم دون جدوى، فى ظل المشاق والمتاعب الشديدة الذى يعانيها فى المتابعة والإشراف على زراعة أراضينا، وحاجته الملحة لنا.
 
والدى الذى يعد من كبار مزارعى عائلته ورقما صحيحا فى معادلة كبار الزراع وأهمهم على مستوى القرية والقرى المجاورة، رفض أن يتسرب أبنائه من التعليم لمساعدته فى متابعة أعمال الزراعة، وكان ينهر كل من يحاول أن يفتح ملف إخراج واحد منا من التعليم، أو ينال تعليما متوسطا، لمساعدته ومعاونته فى الزراعة، مصرا على أن مسألة تعليمنا خط أحمر وأننا جميعا سنتلقى تعليما عاليا مهما كلفه الأمر.
 
ورغم «أمية» والدى وعدم إجادته القراءة والكتابة، إلا أنه كان «مثلى الأعلى» الوحيد، ومصدر اعتزازى وفخرى بشخصه، وبما يتمتع به من عقلية راجحة، وحكمة بليغة، وقدرة مدهشة على الإلمام بكل مقاسات الأراضى وأسماء الأحواض بزمام قريتنا والقرى المجاورة، التى تصل إلى آلاف الأفدنة، ويعرفها، مترا مترا، ومن لديه مشكلة فى معرفة المساحات للأراضى يسارع باللجوء لوالدى ويجد عنده كل الإجابات، وكأنه مهندس مساحة عتيد، بجانب قدرته على الإلمام بكل فنون وعلوم الزراعة، أبهرت كبار مهندسى ومشرفى الزراعة من حملة البكالوريوس، ما مكنه من أن يزيد إنتاجية الفدان الواحد من أراضيه وبأى محصول يزرعه، بما يفوق ضعف ما يزرعه أقرانه، فى نفس المساحة وبنفس المحصول.
 
بجانب ما يتمتع به من حب شديد للوطن، وكان لديه مثلث مقدس، الجيش وجمال عبد الناصر وأم كلثوم، ولا يمكن أنسى فى حياتى يوما، عندما شاهد قناة الجزيرة، فى منتصف عام 1998، وهى المرة الوحيدة التى شاهدها طيلة حياته، قال لى نصا: «هذه القناة فتنة يا ولدى» وتركنى وانصرف، رافضا أن يشاهدها مرة أخرى، مكتفيا فقط بمتابعة التليفزيون المصرى بقناتيه، الأولى والثانية، علاوة على القناة الثامنة التى كانت تبث إرسالها لمحافظات جنوب الصعيد، قبل أن يتحول اسمها إلى قناة طيبة فيما بعد، وكان مواظبا على متابعة نشرتى الأخبار المذاعة الساعة السادسة والتاسعة مساء، وبشكل يومى، حتى وافته المنية، علاوة على متابعته الجيدة للأحداث السياسية داخليا وخارجيا، ويناقشنى فى قضايا جوهرية، وكنت أتعجب من إلمامه بالقضايا الوطنية، وقدرته على الفرز، وتنبئه المبكر بأن قناة الجزيرة ستصير قناة الفتنة فى الوطن العربى، وستمزق أوصاله، وهو ما تحقق ويتحقق على الأرض حتى كتابة هذه السطور.
 
أما أكثر ما لفت نظرى، وشد انتباهى بقوة، عدم ثقته نهائيا فى جماعة الإخوان والسلفيين، وكان يقول دائما، هؤلاء تجار دين، ولم يجالسهم يوما، وكان يعاملهم بغلظة، أثارت دهشتى، خاصة أن وجهة نظره هذه كانت مبكرة ومنذ أن انتشر إرهاب التسعينيات، وما كان يراه فيهم قبل 25 يناير بسنوات تحقق عقب وصولهم للحكم فى العام الأسود من تاريخ مصر 2012.
 
حنكة والدى، وحكمته وقدرته على الفرز، وصراحته وصدقه، وإيجاد الحلول المبتكرة، وخارج الصندوق لحل أعتى المشاكل، ونزع فتيل الأزمات مبكرا، كانت مثار إعجاب الجميع، فكيف يتمتع رجل بكل هذه الصفات رغم أنه لم ينل أى قسط من التعليم؟!
 
والدى، كان قارئا رائعا للمستقبل، وكنت استمع له كثيرا، وندمت أشد الندم، أننى لم أدوّن كل ما دشنه من مأثورات ومقولات أثناء حواراته وأحاديثه سواء معى أو مع آخرين وفى وجودى، وما من رأى قاله، إلا وتحقق حرفيا، وكأنه يقرأ «الطالع» كما يقولون، وعندما أستعيد مأثوراته، أندهش، وأقف مبهورا، خاصة أنها تمثل إنتاجا أدبيا قويا ورائعا وغزيرا!
 
رحيل والدى، صدمة عنيفة لى ولأشقائى، ونشعر أننا انكسر ظهرنا، ولا نملك سوى أن ندعو له بالرحمة والمغفرة، وأن يكون من أهل الجنة، ويسكب الله الصبر والطمأنينة فى قلوبنا.
 

ملاحظة مهمة:

أتقدم بالشكر الجزيل لكل من واسانى وقدم واجب العزاء بأى وسيلة من الوسائل، سواء بالحضور فى قريتنا فى قنا، ولمدة ثلاث أيام متتالية، أو بالحضور فى عمر مكرم، أو بالاتصالات الهاتفية، والرسائل النصية، عبر وسائل الاتصال المختلفة، «واتساب وسوشيال ميديا، فيس بوك وتويتر»، أو تليغرافيا، وإذا كان «اليوم السابع» نشر معظم الحضور المشاركين فى العزاء الذى أقيم بمسجد عمر مكرم الخميس الماضى، فواجب علىَّ أن أذكر بكل التقدير والاحترام، الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف، على مساندته فى مصابى الآليم، وإرساله، وفدين فى عزاء الصعيد وعمر مكرم، رغم انشغاله الشديد، كما أشكر، اللواء أشرف رياض مدير المباحث الجنائية بمديرية أمن قنا ورجاله المحترمين، والعميد خالد غانم رئيس مباحث المديرية، على حضورهم وتقديم واجب العزاء، كما أشكر كل عمد ومشايخ وأعيان قبائل هوارة، وبالأخص قبيلتى «هوارة البلابيش، وغيرها من القبائل.
 
ويبقى الشكر الأكبر، لزملائى وأصدقائى فى مؤسستنا الغراء «اليوم السابع»، بكل إدارتها المختلفة، من أصغر عامل وحتى رئيس مجلس الإدارة، ولأول مرة، أشعر بقيمة ما كان يؤكده الأستاذ خالد صلاح، دائما من أن «اليوم السابع»، صحيفة القيم الأخلاقية والوطنية، فالجميع كانوا جنبى كتفا بكتف، يتلقون العزاء، وكأن والدى والدهم جميعا، إحساس، صعب ترجمته بالكلمات أو الأوصاف.
 
أما الأستاذ خالد صلاح، رئيس مجلس الإدارة، فيكفى أن كل عائلته، كانت فى العزاء يقفون بجوارى فى دعم مطلق، وهو ليس بغريب على هذا الإنسان الرائع، الذى خَلصت فى وصفه كل الكلام والأوصاف!

إضافة تعليق




التعليقات 10

عدد الردود 0

بواسطة:

عبده خيرالله

البقاء لله

خالص التعازي يا دندراوي وإن شاء الله تكون آخر الأحزان

عدد الردود 0

بواسطة:

محمد بيومى

@@@ البقاء للة وحدة@@@

@@@ البقاء للة وحدة@@@ نعرف شعور فقدان الاب .. لاتقف واعمل اكتر ودى رسالتك ومهنتك فلا تجعل الفراق والحزن ان يكون سببا للتوقف . انها سنة الحياة. محمد بيومى

عدد الردود 0

بواسطة:

د. يحي ألشاعر

أللهم إرحمه وإغفر له وأدخله واسع جناتك يارب

لا حول ولا قوة إلا بإلله ألعلي ألعظيم إنا لله وإنا إليه راجعون أللهم إرحمه وإغفر له وأدخله واسع جناتك يارب ألعالمين أللهم يلهمكم ألصبر علي ألفراق د. يحي ألشاعر

عدد الردود 0

بواسطة:

Maged zaki

قالوا لي عندما توفي والدي رحمه الله اللي خلف مامتش

البقاء لله و عليك تكملة الرسالة التي وصاك بها الوالد رحمه الله

عدد الردود 0

بواسطة:

احمد

البقاء لله وأوجه لك

نصيحة من القلب إذا كانت الوالدة موجودة فلا تتركها تعيش بعيد عنك لحظة واحدة إستمتع بقربها إسأل مجرب لاتضيع الفرصة أنا أتمنى أن ترجع أمى ولو لمدة 24 ساعة لكى أبوس رجليها وأشكى لها عما جرى لى من بعدها

عدد الردود 0

بواسطة:

إسماعيل رفعت

من مات أبوه فقد مات عنده كل الناس ولا أحد يعوضه إلا الله

من مات أبوه فقد مات عنده كل الناس ولا أحد يعوضه إلا الله نسأل الله له ولوالدينا الرحمة

عدد الردود 0

بواسطة:

منين نجيب الصبر؟

استاذ دندراوى قلت شكرا للجميع--هل ممكن ان تتيح لنا الفرصة لنقول لك الف شكرا على عظيم وفاءك للوالد

هذا يزيد مكانتك بقلوبنا --شكرا لك لألقاءك الضوء على والدك واسمح لى ان اقول هذا فى رثاء والدك ووالدى ووالد كل انسان رحل عنة --وهذا رثاء من الاعماق بكل ألما وحزن ودموع --وأة ومليون أة من ألم فراق الاحباب--ففية تنتحر القلوب  بلا استئذان-أبي الحبيب الغالى سلام  الله عليك يا أبي-- وسلاما على الحب الذي غرسته أنت فينا.. منك تعلمنا كيف نغرس كلمة حب بيضاء في زمن لا يثبت على ألوانه فسلام الله عليك يا والدى- بمقدار ما أحببتنا -سلام الله عليك يا والدي مقدار ما رحمتنا --سلام الله عليك يا والدي مقدار ما سترتنا --سلام الله عليك يا والدي مقدار ما أسستنا --سلام الله عليك يا والدي مقدار ما أحببناك --سلام الله عليك يا والدي مقدار ما إفتقدنــــــــــــاك سلام الله عليك يا والدي مقدار ما بكيناك-- سلام الله عليك يا والدى مقدار شوقنا لرؤياك كنت بالامس معنا واليوم بكل الحزن والاسى ودعناك--أة ياوالدى لو كان عمرى ينفع لكنت قدمتة فداك--قل لى كيف السبيل الى الصبر فلم يكن للحياة طعم الا وياك-- لكنك رحلت وتركت للقلب الالم والهلاك--سأظل ابكيك يا والدى حتى يأتى يوما والقاك--كن قرير العين يا والدى فما احلى الحديث عن عظمة ذكراك--يارب يارب ارحم والدى وهو بين يداك--وارحمنا نحن بالصبر فلم يعد لنا الا سواك------------ وعلى فرائك وفراق اعز الاحباب والله القلب لم يعد يتحمل ومش عارف منين نجيب لة الصبر

عدد الردود 0

بواسطة:

محمد الصغير

خالص التعازي

خالص التعازي.  الله يرحمه.  فعلا مقالتك اليوم تدل انك فعلا صعيدى وفى للوالد. 

عدد الردود 0

بواسطة:

على محمد

البقاء لله

نعم الاب الزي رباك وسلم الرحم الزي اخرجك للدنيا البقاء لله ورحم الله اموات المسلمين اجمعين

عدد الردود 0

بواسطة:

سعد المصري

البقاء والدوام لله

الي الكاتب الصحفي المحترم الاستاذ / دندراوي اكتب اليك اليوم مواسيا لوفاة والدكم تغمده الله برحمته وادخله فسيح جناته ... لم اري الوالد رحمه الله ولكني استطيع ان اجزم انه رجل صالح لانه انجب رجل صالح لا يعرف الا الحق ولا يخاف الا الله سبحانه وتعالي ...حفظك الله والهمك والعائله الكريمة الصبر والسلوان.

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة