خالد صلاح

هل تنجح الدولة فى تقليص مساحات الأرز المنزرعة؟.. الحكومة تواجهها بعقوبات صارمة.. المزارعون يواصلون التحدى.. وخبراء: تهدر 9 مليارات متر مكعب سنويا من حصة مصر فى المياه.. ووصلت لـ2 مليون فدان فى بعض السنوات

الخميس، 15 فبراير 2018 10:00 م
هل تنجح الدولة فى تقليص مساحات الأرز المنزرعة؟.. الحكومة تواجهها بعقوبات صارمة.. المزارعون يواصلون التحدى.. وخبراء:  تهدر 9 مليارات متر مكعب سنويا من حصة مصر فى المياه.. ووصلت لـ2 مليون فدان فى بعض السنوات تقليص مساحات زراعة الأرز سنوات من المحاولات بلا جدوى
كتبت – منى ضياء
إضافة تعليق

فى محاولة لتخفيف حدة أزمة المياه المتوقعة، أصدرت وزارة الرى قرارا قبل أيام بتقليص مساحات زراعة الأرز فى مصر إلى ما يقرب من النصف تقريبا لتقتصر المساحة المسموح بزراعتها هذا العام على 724 ألف فدان فقط، هذا فى الوقت الذى تتضارب فيه البيانات حول المساحات المزروعة بالأرز فعليا عام 2017، بين وزارتى الزراعة والرى.

 

وقدرت وزارة الزراعة فى تقرير لقطاع الخدمات الزراعية حول مخالفات زراعة الأرز صدر فى يوليو 2017، أن الماسحات المزروعة فعليا بلغت مليون و216 ألف فدان، وتجاوزت المساحات المزروعة بالمخالفة 227 ألف فدان، فى حين تقدر وزارة الرى المساحات المزروعة فعليا بحوالى أكثر من 1.6 مليون فدان، أى بلغت المساحات المخالفة حوالى 500 ألف فدان، بحسب تصريح حسام الإمام المتحدث باسم وزارة الرى فى اتصال هاتفى لـ"اليوم السابع".

 

متى ظهرت أزمة تقليل مساحات زراعة الأرز؟

هذه الأزمة ليست جديدة، فكل عام تعلن وزارة الرى، عن أنها بصدد تقليل المساحات المزروعة بالأرز باعتباره محصولا شرها للمياه، وتسعى لأن تظل المساحة الفعلية المزروعة فى حدود 1.1 مليون فدان ولكن حقيقة الأمر أنه دائما ما تفشل خطط الحكومة فى تقليل مساحات الأزر والتى حافظت على معدل متوسط 1.5 مليون فدان سنويا على مدار السنوات الماضى بحسب ما أكده الدكتور جمال صيام الأستاذ بكلية الزراعة بجامعة القاهرة، بل وتخطت المساحة فى بعض السنوات 2 مليون فدان، رغم زيادة قيمة الغرامات حتى بلغت 3 آلاف جنيها للفدان المخالف.

 

وتوضح بيانات النشرة السنوية لإحصاءات المساحات المحصولية والإنتاج النباتى الصادرة عن جهاز التعبئة العامة والإحصاء، أن مساحة الأراضى المزروعة بالأرز خلال الفترة ما بين عام 2010/2011 إلى 2015/2016 كانت فى المتوسط 1.4 مليون فدان، أى لم تنجح جهود أو حتى تهديدات وزارة الرى بتغريم الفلاحين فى وقف زراعة الأرز، وهو ما يطرح السؤال الأهم: هل ستستطيع الحكومة فعليا فى تقليص المساحات إلى 724 ألف فدان فقط العام الحالى؟

 

2
 

هذا السؤال يدفعنا للبحث عن طبيعة القوانين التى تحكم زراعة الأرز فى مصر، وهو ما يجيب عنه الدكتور محمد نصر الدين علام أستاذ هندسة الرى والصرف بكلية الهندسة ووزير الرى الأسبق، فى كتاب أصدره عام 2001 بالاشتراك مع مجموعة من الباحثين، وحمل الكتاب عنوان "لمياه والأراضى الزراعية فى مصر الماضى والحاضر".

 

وأوضح أستاذ هندسة الرى فى كتابه، أن محصول الأرز يمثل مشكلة حقيقية يعيشها المسئولون عن إدارة الرى فى مصر سنويا، فهناك قانون رقم 71 لسنة 1953 اختص بتنظيم زراعة الأرز، معطيا وزارة الرى صلاحية تحديد مناطق زراعة الأرز وتوقيع غرامة مالية تتراوح بين 25 -30 جنيها على كل فدان مخالف، ثم صدر القانون رقم 31 لسنة 1961 والذى ينص على أن يكون لوزير الرى تحديد مناطق زراعة الأرز وتحديد نسبة زراعة الأرز فى كل منطقة مع رفع غرامة الأرز إلى 35 – 50 جنيها للفدان المخالف.

 

وكان من المعتاد أن تتم زراعة الأرز فى المناطق الساحلية لتقليل تداخل مياه البحر فى المخزون الجوفى بالدلتا، وكانت المساحة الإجمالية المقررة لزراعات الأرز بعد بناء السد العالى تبلغ حوالى 700 ألف فدان، ولم تكن هناك زيادة كبيرة حتى عام 1988 حيث كانت المساحة أقل من مليون فدان، ولكن مع تحرير أسعار المحاصيل الزراعية أصبح الأرز أحد أهم المحاصيل المربحة للمزارعين فزادت المساحات المزروعة تدريجيا إلى 1.3 مليون فدان عام 1992، ثم 1.6 مليون فدان عام 1997، وهناك تضارب حول مساحات هذا المحصول خلال السنتين الماضيتين ما بين 1.6 – 2 مليون فدان – بحسب ما جاء بالكتاب الصادر عام 2001.

 

وأشار نصر الدين علام، فى كتابه أنه بالرغم من أن الخطة المائية للدولة للتوسع فى مساحة 3.4 مليون فدان حتى عام 2017 تركز على تقليل مساحات الأرز إلى 900 ألف فدان، إلا أنها تغيرت إلى زراعة سلالات جديدة مبكرة النضج ذات استهلاك مائى أقل وإنتاجية أعلى، مؤكدًا على أنه بمرور الوقت أصبحت مخالفة زراعة الأرز صورية حيث تم إسقاطها سنويا، آخرها العام الماضى وكانت تبلغ 38 مليون جنيه.

 

وهنا يتضح أن الأزمة ليست وليدة التخوفات من تبعات سد النهضة أو حتى وليدة سنوات قليلة ماضية، وإنما هى مشكلة كبيرة للغاية تتمثل فى رغبة الحكومة وعلى الأخص وزارة الرى فى توفير المياه من خلال تقليص مساحات زراعة المحاصيل الشرهة للمياه، ولكن فى الوقت نفسه يطرح المزيد من التساؤلات حول أسباب استمرار الرى بالطرق التقليدية التى تهدر مليارات الأمتار من المياه على مصر سنويا والتى تقدر بحوالى 10 مليارات متر مكعب.

 

هل الأرز أكثر المحاصيل المستهلكة لمياه الرى فى مصر؟

الدكتور جمال صيام الأستاذ بكلية الزراعة أكد فى اتصال هاتفى لـ "اليوم السابع"، قال إن ما يحدث الآن هو نتيجة لعدم القيام بالدراسات الكافية رغم توصية الخبراء فى هذا المجال بدراسته منذ سنوات طويلة.

 

وأوضح صيام، أن الباحثين بمراكز البحوث الزراعة تمكنوا من استنباط سلالات جديدة تستهلك نصف كمية المياه التى يستهلكها النوع المزروع فى مصر، ولكن يواجه تطبيق هذه البحوث مشاكل كبيرة يتعلق أبرزها بضعف التمويل، حيث أن ميزانية مركز البحوث الزراعية خلال عام كامل هى 3 ملايين جنيه فقط.

 

ويستهلك زراعة فدان الأرز حوالى 6 آلاف متر مكعب مياه سنويا، وتستهلك مساحة الأرز المزروعة فى إجمالى الجمهورية حوالى 9 مليارات متر مكعب مياه سنويا من حصة مصر فى مياه النيل البالغة 55 مليار متر مكعب، ولكن الأرز ليس الأكثر شراهة للمياه، حيث يستهلك فدان الموز أكثر من 3 أضعاف كمية المياه التى يستهلكها فدان الأرز بواقع 16 ألف متر مكعب لفدان الموز سنويا، وهو ما يجب النظر إليه بدلا من تقليل مساحات الأرز مما يهدد آلاف المزارعين فى الدلتا بالتشريد، لأن زراعة الأرز فى تلك المناطق هى أكثر المحاصيل التى تحافظ على خصوبة التربة لأن كثرة المياه تغسل ملوحة التربة، بحسب أستاذ الزراعة.

 

وأكد الأستاذ بكلية الزراعة، على أن البدائل أمام الفلاح ليست كبيرة، خاصة مع تراجع زراعة القطن الذى لا يحقق عائدا اقتصاديا مرتفعا، وكان هناك آمالا كبيرة من تفعيل نظام الزراعة التعاقدية لمحصول الذرة الذى يمثل بديلا لمحصول الأرز الصيفى، ولكن رغم إقرار قانون الزراعة التعاقدية إلا أنه لم تصدر لائحته التنفيذية ولم يفعل حتى الآن، وبالتالى لم يعد هناك اختيارات أمام فلاحى الدلتا من مزارعى الأرز لزراعة محصول يحقق عائدا اقتصاديا مماثلا لما يحققه الأرز.

 

نقيب الفلاحين حسين أبو صدام، أكد على ضرورة ترشيد المياه فى ظل مرحلة الفقر المائى التى نمر بها، واستعدادنا لمرحلة صعبة، ولكن الطريقة التى يتم بها هذا الترشيد من خلال تقليص مساحات الأرز المزروعة "مش عاجبنانا"، فهو المحصول الوحيد من بين الأربعة الكبار الذى لا تزال مصر تزرع منه كميات تكفى الاستهلاك المحلى وفائض للتصدير، بعد أن تراجعت محاصيل القمح والقطن والقصب، والأرز أيضا هو أكثر المحاصيل ربحية لفلاحى الدلتا فى ظل تدنى ربحية الخضروات.

 

وأضاف أبو صدام، فى اتصال هاتفى لـ"اليوم السابع"، أن لدينا محاصيل أقل قيمة من الأرز تستهلك كميات كبيرة من المياه مثل الموز والبرسيم، ومن الخطـأ تقليل مساحات الأرز لأن الأراضى المزروعة بالأرز فى الدلتا شديدة الملوحة ولا تصلح إلا فى زراعة هذا المحصول، وفى حالة توقف زراعة الأرز بها ستفقد الأرض خصوبتها وتتعرض للبوار، ويزحف عليها البناء، وهذا ما نرفض حدوثه.

 

واقترح نقيب الفلاحين، استخدام طرق الرى الحديثة، وزراعة سلالات أرز غير شرهة للمياه، لكن ما يحدث أننا لا نرى سياسة واضحة لوزارة الزراعة تحدد الأراضى التى ستزرع أرز من عدمه، وليس لدينا دورة زراعية.

 

وحول المساحات المزروعة فعليا العام الماضى، وقال صدام، إن الأراضى المزروعة بالأرز العام الماضى فعليا بلغت حوالى 2.1 مليون فدان، فى حين كانت تستهدف وزارة الرى زراعة 1.1 مليون فدان، فقط، لافتا إلى أن الغرامات ليست مفعلة على أرض الواقع وغير مفيدة فى تحجيم التوسع الكبير فى المساحات المزروعة بالمخالفة.


إضافة تعليق

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



لا توجد تعليقات على الخبر



الرجوع الى أعلى الصفحة