غلبت لغة الاقتصاد والأرقام والبورصة والأسهم والأسعار على لغة الناس فى الشارع ولا سيما البسطاء، ولم يعد غريبًا على الأذن مصطلحات كالتضخم والعجز والموازنة، كذلك "التداول" الذى يعنى فى مفهومه البسيط "مبادلة شىء بآخر"، ونحن عادة نفهم ذلك على أنه مبادلة السلع مقابل المال أو بعبارة أخرى، شراء شىء ما.
وعادة ما يهدف المتعاملون فى مجال الاقتصاد إلى تحقيق المكاسب المادية من عمليات التداول أو عمليات الشراء، فتداول الأسهم أو العقارات أو السلع يهدف فى الأساس إلى تحقيق الأرباح، وقد يذهب البعض إلى ما هو أبعد من خلال احتكار سلع بعينها وإمساكها حتى يرتفع سعرها ثم بيعها، وهكذا تسفر عملية التداول عن جنى المزيد من المال، وتكمن براعة المتداول فى تَحيُّن الوقت المناسب لإجراء عمليتى البيع والشراء بحيث يحقق أكبر هامش من الربح.
وكلما زاد الطلب على سلعة ما فحتما سيرتفع سعرها، ليصبح من يحوزها هو الرابح الأكبر، إلا أن هناك نوعا آخر من التداول يغفل عنه كثير من الناس، بينما هم فى أمس الحاجة إليه، ألا وهو تداول المعروف، وما من شك أن الأقدر على بذل المعروف؛ إن كان مالا أو جهدًا أو وقتًا أو نصيحة؛ هو الرابح الحقيقي، إذ شحَّ هذا النوع من التداول وانزوى إلى حيثُ انزوت أشياء كثيرة.
وما من شك أنك سمعت او قرأت كلام أحد؛ أنعم الله عليه بنعمة سواءً كانت مالا أو سُلطة؛ يصف شخصًا بأنه (بتاع مصلحته)، وأنه لا يعرف له طريقا إلا حين يكون لديه مصلحة، وأنه لم يحادثه منذ فترة، لكن بمجرد أن تقلد المنصب الفلانى أو كسب مالا؛ إلا وبادر هذا الشخص بالاتصال به والتقرب إليه، ويستاء من ذلك ولا يرد أو يغلق هاتفه ويطلق عليهم الألقاب والصفات (المصلحجية والمنتفعين).
والتعميم فى كل شيء خطأ كبير، فهناك أشخاص ضاقت بهم السبل ووجدوا فيك ملاذا وغوثا لهم، لا يجيدون بناء العلاقات الاجتماعية من المجاملات فى المناسبات أو السؤال على فترات، بل يتصرفون بعفوية وتلقائية ويترددون مئات المرات قبل طلب الشىء، لكن الظروف منهم أقوى فلا يجدون غير طرق بابك، وهنا تكون أنت صاحب السلعة أو بالأحرى صاحب المعروف والوقت هو الأنسب للتداول، ولا يقتصر مفهوم تداول المعروف على فئة بعينها، بل إن الكل يملكونه ولا يبذله إلا قليل، فالمعروف قد يكون ابتسامة أو قول لين أو خلق حسن وما أحوجنا لتلك الأشياء وما أيسر أن تُبذل وما أعجب الشحّ بها!
فلو أن كل شخص ضنّ بمعروفه وأمسكه لضاقت الدنيا على رحابتها تماما، كما لو أَمسك كل تاجر سلعته فلم يبع ولم يشترِ.
ما تمنحه يعود إليك وما لن تمنحه لن تحصل عليه، هكذا هى قوانين الحياة التى لا تستثنى أحدا ولا مجال فيها لتجاوز أو وساطة أو محاباة، وإذا كنت اليوم تملك أن تعطى فغدا ستحتاج من يعطيك.
التداول سنة الحياة والأيام دول بين الناس، كما قال سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز "وتلك الأيام نداولها بين الناس".