نهال عامر أبو زيد تكتب: الراحة المميتة

الأربعاء، 20 سبتمبر 2017 12:00 م
نهال عامر أبو زيد تكتب: الراحة المميتة الإدمان

مناديل متسخة هنا.. سرنجات ملوثة.. دماء.. وهناك برشام.... ورق مطوى.. سجائر.. ضياع.. هذا هنا.. وذلك هناك ولكن الضياع يخيم عليهم جميعًا.. لكم أن تتخيلوا بشاعة المشهد... دخان.. حقن.. ضغط على الذراع.. ضغطة على جانب الأنف.. أخذ نفس الراحة المميتة بشهيق عالى.. سب للجسد الذى لم يعد يحتمل من كثرة الحقن... انتقال من وريد لآخر ومن نقطة لأخرى لعل واحدة لم تتسمم وتنسد بعد... لا أتحمل.. لا أعلم كيف تطيقون أنفسكم؟! ألا تشفقون عليها؟ أنا لا أطيق النظر لهذا المشهد لكننى مع الأسف دققت به كثيرًا يومًا ما.. حتى إننى دخلت فى صراع خيالى درامى مع المدمن ذاته... ولكن ذلك الصراع لم يجدى لأننى اكتشفت أنه ميت.. منتهى المأساة.. منتهى الذل.. حقًا أشفق عليكم... تتذللون لأشخاص.. تتذللون حتى لأعضاء جسدكم ولكنها سئمت منكم... تتحولون لوحوش بشرية مجردة الإحساس والبصر ولا تفقه لأى شىء حولها.. تلك الحركة التى يفعلها مدمن الهيروين بعد سحبه بالأنف.. أتتذكر نفسك وأنت تفعلها ؟.. نعم تشبه فى ظاهرها مسح الأنف ولكنها حقيرة ومزعجة لدرجة الانهيار.. أتأثر بها كثيرًا.. العين مجهدة وكأنها يائسة محبطة أو بالأصح ميتة قد اجتنبت الحياة.. تلك الطريقة التى تمسك بها السيجارة اعتيادية ولكن لحظة خروج الدخان من الفم والأنف يمثل لقطة مكروهة التفاصيل كليًا.. فأنا أتخيل أن هذا الدخان يأخذ معك جزء من حياتك.. يسممك ببطء.. يجعلك تشيخ قبل المشيخ... فلتدخن.. احقن نفسك.. استنشق بعض الهيروين.. ابلع بعض البرشام.. استمتع بكل لحظة خادعة تأخذك خطوة للهلاك.. ضعه أينما تضعه.. افعل ما شئت به.. ولكن أرجوك تخلى عن أى شخص بحياتك لأنك ستعذبه كثيرًا.. لا تكن أبًا.. لا تكونى أمًا.. مع الأسف ربما تكون أخًا وابنًا ولكن يكفيك هذا فأنت لم تتحكم به... لكن القادمون سيتأثرون بك مع الأسف.. لا تعتقد أن التأثر معناه أن يأخذك أولادك قدوة ويفعلون مثلك.. لا بالطبع لأننى أعلم أنك من الممكن أن تسيطر على هذا..  دعنا نترك زوجتك عند النظر إليك فهى تحتمل هذا...  أبناءك أيستوعبون هذا؟ يتدمرون من حولك نفسيًا وتكون تلك اللقطات محفورة بداخلهم.. اسفا على أن تكون جزءًا من ذكريات طفولتهم بعكس أطفال آخرين تخلو ذكرياتهم من تلك المشاهد.. يتدمرون فى كل مرة يجبرون فيها على البوح بأن أحد والديهم مدمن ؛فالزمان تغير كثيرًا والوضع اختلف معه... أتحب أن ترى أبناءك منكسرين وفاقدين الثقة بأنفسهم؟ أن ينظر إليهم أصدقاؤهم نظرات مؤلمة؟ ستكون أنت المجرم فى حق أبنائك... انظر لنفسك ولمن هم يعادلونك عمرًا ولكن ليسوا بمدمنين.. أحالتك كحالتهم؟ ولتكن نظرتك أكثر عمقًا من المظهر... أنت الآن ميت إكلينيكيًا.. ظلام داخلى لن تنساه.. ثورة دائمة تتجاهلها من أعضاء جسدك... ولكن حتمًا ستتحول تلك الثورة لإنقلاب يومًا ما... أعلم مدى صعوبة الإنسحاب بعد الدخول فى ساحة المعركة ولكن عليك الآن القتال بقوة.. لن تقاتل عدوا لك ولكن ستقاتل قرينا لك فكن أكثر حزمًا... دعك من ذلك اللاشىء الذى كنت تظنه حياة.. إنه سارق الحياة.. إنه صديقك الافتراضى الذى يطعنك من الخلف... إنه الشوكة التى وضعتها بداخلك.. هو الإدمان؛ فسحقًا له.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة