أول يوم مدرسة. كان يوماً استثنائياً فى كثير من الأمور. فتقريباً هو اليوم الوحيد الذى كنت ترانا فيه نذهب إلى المدرسة بكل فرحة وحماس. اليوم الوحيد الذى كنت ترى فيه مع جميع الطلاب بالمدرسة سندوتشات الخبز الفينو مع الجبن الرومى واللانشون. اليوم الوحيد الذى يحصل فيه الجميع على مصروف كبير وهو أمر قد لا يتكرر فى باقى الأيام. اليوم الوحيد الذى لا يسألك فيه المعلم عن الواجب. اليوم الوحيد الذى تذهب فيه أمك أو أبيك معك إلى المدرسة ليضمنا لك الجلوس بالصف الأول لأن نظرك ضعيف. فكل أولياء الأمور فى مصر تدعى بأن نظر أبنائها ضعيف، وماهى إلا حجة واهية. أما الحقيقة فتكمن فى اعتقادهم بأن الصف الأول يجعل أبناءهم من الأوائل. أما فى المرحلة الثانوية فكنا نتسابق على الجلوس بآخر صف، ولم نكن نهتم بتلك السندوتشات فقد عرفنا طريق الهروب عبر السور المدرسى إلى المطاعم والمقاهى المجاورة للمدرسة.
أول يوم مدرسة، يخرج إلى الشوارع دفعة واحدة ولأول مرة منذ أشهر عدد كبير من الطلاب متسببين فى ازدحام شديد فى الطرق والمواصلات. فترى الناس يتدافعون للحاق بمقعد فى ميكروباص أو بموضع قدم فى الأتوبيسات وعربات المترو. الأمر الذى قد يحملهم أجرة إضافية يفرضها عليهم سائقى سيارات الأجرة استغلالاً للموقف، فى غياب تام لدور الدولة بدلاً من أن توفر رجال أمن للحد من بلطجة هؤلاء السائقين أو وسائل نقل إضافية لحل تلك الأزمة. ناهيك عما يتسبب فيه ذلك من شجار بين الركاب وبعضهم البعض وبينهم وبين السائقين. أما إذا كنت ممن يمتلكون سيارة أو تجلس فى حافلة العمل، فهذا لن يعفيك من قضاء المزيد من الأوقات على مقعدك وسط الزحام مما يتسبب لك فى آلام بالظهر، لتبدأ بعدها رحلة العلاج الطبيعي.
أول يوم مدرسة. يبدأ المعلمون فى إعداد دفتر التحضير للدروس اليومية بعد فترة من الراحة، والتأهب لأى زيارة مفاجئة من مفتشى مديرية التعليم أو من الوزير بحد ذاته للاطمئنان على سير العملية التعليمية. وعادة يتم إبلاغ جميع العاملين بالمدرسة بتلك المفاجأة قبلها بساعات وأحياناً بأيام لكى يقوموا بكافة الاستعدادات لمقابلة السيد المسئول متفاجئين. ماذا سيحدث أن لم يقم سيادة الوزير بتلك الجولة من كل عام وبرفقته طاقم من الإعلاميين ليؤكد لنا مجهودات الوزارة بالنهوض بالعملية التعليمية! هل سيؤثر ذلك حقاً على مستوى التعليم المتردى أم هو مجرد شو إعلامي! أما كلمة السيد مدير المدرسة فى طابور الصباح فى هذا اليوم عن أهمية التعليم وأهمية التزام الطلاب بالتعليمات، فكانت تستغرق من سيادته وقتاً طويلاً حتى نهاية الحصة الأولى، ونحن وقوف تحت أشعة الشمس مثل الجنود فى الجيش، وفى النهاية مثلها مثل خطبة الجمعة لا تؤثر فينا ولا نفهم منها شىء .