خالد صلاح

يوسف أيوب

قراءة هادئة فى تقرير المفوضية الأمريكية للحريات الدينية الدولية

الخميس، 04 مايو 2017 12:00 م

إضافة تعليق
مجددًا عادت المفوضية الأمريكية للحريات الدينية الدولية لتمارس لعبتها القديمة، وهى محاولة فرض الوصاية على الدول، ومن بينها مصر، تحت زعم حماية الحريات الدينية، فأصدرت المفوضية قبل أيام تقريرها السنوى عن الحريات الدينية فى العالم، تناول بطبيعة الحال مصر، والجديد فى تقرير العام الحالى أنها أقرت بتحسن تصنيف مصر فى مجال الحريات الدينية هذا العام، حيث وصلت إلى المستوى الثانى، أى المستوى الذى لا يرقى لتصنيف الدولة كدولة تمثل مـصدر قـلق خـاص.
 
بداية، وقبل الخوض فى تفاصيل ما جاء فى التقرير، فإن المفوضية الأمريكية للحريات الدينية الدولية تعد لجنة فيدرالية أمريكية مستقلة، تمثل الحزبين الجمهورى والديمقراطى، وقد تأسست عام 1998، بناء على قانون تعزيز الإطار العام للحريات الدينية، وتتشكل عضويتها من أعضاء مستقلين، يتم تعيينهم من قِبل كل من الرئيس الأمريكى والقيادات الحزبية المختلفة، ويصدر عن اللجنة فى الأول من مايو تقرير سنوى يتضمن توصيات للخارجية الأمريكية بشأن أوضاع الحريات الدينية فى أكثر من 30 دولة، من بينها مصر، ويتم تصنيف هذه الدول إلى ثلاث قوائم، الأولى تسمى الدول ذات المشاغل الخاصة، وهى الدول ذات السجل الأسوأ، التى ترتكب انتهاكات خطيرة للحريات الدينية، فى حين تضم القائمة الثانية الدول التى تستحق المتابعة، فضلًا عن قائمة ثالثة للدول الأخرى، وقد دأبت المفوضية على التوصية بإدراج مصر على قائمة الدول ذات المشاغل الخاصة منذ عام 2011، إلى أن تغير الوضع فى تقرير هذا العام.
 
ورغم رفضى القاطع والمبدئى مثل هذه التقارير، كونها غير صادرة عن جهة مستقلة ومحايدة، ولا تعبر بشكل واضح وصريح عن حقائق الأمور على أرض الواقع، فإن هذا لا يمنعنا من قراءة هذا التقرير للاستفادة منه، والنظر لما فيه من تفاصيل، ومقارنتها بالوضع الداخلى، ليس اعترافًا منا بهذه المفوضية، وما تصدره من تقارير، وإنما- كما قلت- للاستفادة منها قدر الإمكان، وربما لهذا السبب استضافت مصر وفدًا من المفوضية فى يناير الماضى، شأنها شأن الكثير من اللجان والمسؤولين الأجانب الذين أرادوا الحضور إلى القاهرة، ليطلعوا على مجريات الأحداث، خاصة أن مصر بعد 30 يونيو أخذت قرارًا بألا تخفى شيئًا على أحد، وأن أبوابها مفتوحة لمن يريد أن يعرف، لكن شريطة ألا يتحول الأمر إلى محاولة للضغط على الحكومة المصرية، أو فرض الوصاية عليها.
فى تقرير العام الحالى، أوصت المفوضية هذه المرة بعدم إدراج مصر على قائمة الدول ذات المشاغل الخاصة، مع الاكتفاء بوضعها ضمن قائمة الدول تحت المتابعة.
 
وأشار التقرير إلى استمرار جهود الدولة فى تحقيق تقدم فى مجال الحريات الدينية، كما يتناول الخطوات الإيجابية التى تم اتخاذها فى هذا الشأن خلال العام الماضى، منها مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسى بتجديد الخطاب الدينى، وتأكيده أهمية انتشار قيم التسامح والاعتدال، فضلًا عن إدانة الرئيس المستمرة لأى هجمات طائفية، ومحاسبة مرتكبى الهجمات ضد الكنائس ودور العبادة. وكذلك أشار التقرير إلى عملية إعادة بناء 56 كنيسة تم تدميرها خلال عام 2013، وتحديدًا من جانب جماعة الإخوان الإرهابية فى أعقاب ثورة 30 يونيو، كما تناول التقرير موافقة البرلمان على قانون تنظيم بناء الكنائس، وترحيب جميع الطوائف المسيحية به، فضلًا عن إنشاء لجنة وطنية فى يناير 2017 لإصدار التصاريح لبناء الكنائس وفقًا لما جاء فى القانون.
 
وأبرز التقرير كذلك استمرار جهود وزارة التربية والتعليم فى مراجعة المناهج الدراسية، تنفيذًا لمبادرة الرئيس السيسى، علمًا بأنه من المقرر انتهاء عملية المراجعة بحلول عام 2022، وكذلك استمرار جهود الأزهر الشريف، وفضيلة الشيخ الدكتور أحمد الطيب فى نشر فكر التسامح الدينى، ومشاركة فضيلته فى عدد من المؤتمرات الدولية، وزيارته لبابا الفاتيكان، فضلًا عن مراجعة الأزهر مناهجه الدراسية، بالتعاون مع وزارة الأوقاف، بالإضافة إلى الخطوات الإيجابية التى اتخذتها الأوقاف لتنظيم عملية الفتوى.
 
مجرد ذكر هذه الإيجابيات فى تقرير المفوضية الأمريكية يؤكد أن مصر تسير على الطريق الصحيح، وأن إشارة التقرير لها- رغم رفضنا المبدئى له- هى بمثابة اعتراف خارجى لا يقبل الشك أو التأويل، وربما تُضاف إلى ذلك سلسلة طويلة من التصريحات المنسوبة لمسؤولين أجانب أشادوا خلالها بالإجراءات التى قامت بها الدولة المصرية، والرئيس السيسى لتوفير الحماية للمصريين، مسلمين ومسيحين، وأن مصر لم تقصر أبدًا فى حماية أحد أيًا كانت ديانته، لأن الأساس لدينا هو أن يكون مصريًا بغض النظر عن ديانته.
 
واتساقًا مع ذكر الإيجابيات التى وردت فى هذا التقرير، فمن المفيد أن نشير إلى ما ذكره من سلبيات لنتدارسها جيدًا، لنصل إلى مواطن الخلل حال وجودها، حتى وإن كانت هذه السلبيات التى ذكرها التقرير لا علاقة لها بمضمونه الأساسى، وانتقلت إلى محاولة فرض وصاية سياسية، منها على سبيل المثال حديثه عن التأثير السلبى لجهود مكافحة الإرهاب على أوضاع حقوق الإنسان، وعمل منظمات المجتمع المدنى، وكذلك ما أسماه التقرير استمرار التضييق على الإخوان، وإصدار أحكام الإعدام ضد عدد منهم، وهو أمر يؤكد التوجه السياسى المبدئى للتقرير، وكذلك تناقضه مع بعضه البعض، فهو الآن يتحدث عن التضييق على الإخوان، رغم سابق إشارته إلى إعادة الدولة بناء الكنائس التى تم تدميرها فى 2013 على يد عناصر الإخوان، وهو ما يكشف الوجه الزئبقى للتقرير الباحث عن أمور لا علاقة لها بالحريات الدينية كما ادعى.
 
فى النهاية نحن أمام تقرير مشبوه فى مجمله، كونه يسعى إلى خدمة أهداف عليا تضعها مؤسسات أمريكية على رأس أولوياتها، ومنها إعادة تموضع جماعة الإخوان فى مصر مرة أخرى، ورغم أن البعض قد ينظر له بقدر من الارتياح، خاصة لإشارته إلى مسألة المردود الإيحابى لجهود الرئيس السيسى فى نشر أفكار التسامح والاعتدال فى مصر، فإن هذا لا ينفى حقيقة مؤكدة، هى أن التقرير فى نهاية الأمر لا يخرج عن كونه وثيقة داخلية تخص الجانب الأمريكى وحده، وليس لها أى دلالة أو مرجعية رسمية فيما يتعلق بمصر.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة