فى ساعة متأخرة بليلةٍ من ليالى الشتاء، غاب قمرها واشتد ظلامها، كان يسير مسرعاً نحو بيته والذى تفصل بينه وبين بقية أرجاء القرية طريق غير مأهولةٍ إلا من الظلام والكلاب الضالة والتى تزيدها وحشة، كان على "غريب" أن يعبرها حتى يصل إلى بيته، كان يحدث نفسه: كيف أنه لم يجد سوى هذه الناحية النائية من القرية ليسكن فيها وقد أتى محملاً بوحدته القاسية لولا أن قاطنى هذه الناحية على بساطتهم وضيق حالهم احتضنوه فألفهم وألفوه، ولكنه بمجالستهم والسهر معهم سمع قصصاً تشيب لها رأس الوليد من أشباح تجول ليلا فى هذه الطريق الفاصل بين عزبتهم المتواضعة وبين القرية.
كانت تتقاذف كل حكاية إلى خياله فتكبل قدمه عن المسير، ماذا يفعل؟ ولا مكان يبيت به ليلته وليس له قريب أو صهر فى القرية، وما يعلم له مكاناً سوى بيته النائى هذا، كان يرتل بعض آيات القرآن، يحاول أن يحتفظ بهدوئه ولو قليلا، رغم أن هاتفا يهتف به: أن أسرع أسرع لتعبر خاصة مقابل المنزل القديم، وآه من هذا المنزل، لقد اشتعلت النيران به وأتت على كل ما به ولم يكن به سوى امرأة عجوز، يحاول أن يفكر فى أى شىءٍ غير هذه الأشباح التى تخرج ليلا، غير أنه مع شدة الظلام سمع همهمة امرأة تجلس على حافة الطريق، وكأنها تعبت من المسير، كانت تضع أمامها مقطفا كبيرا من سعف النخيل تغطيه بقماشة ملونة، وأشارت إليه بإيماءةٍ أن يساعدها فى رفع مقطفها هذا على رأسها، فذهب وهو مطمئن إليها ليساعدها، وبمجرد وصوله إليها شاهد ما أسكته عن الكلام وقيده عن الحركة، وما علم كيف وصل إلى منزله، حيث إنه ما زال يعانى من هول ما رأى حتى الآن، وما عاد "غريب" يسير بهذه الطريق مرة أخرى بالليل، رغم أن الطريق أصبحت مضاءة بالكهرباء وقد انتشرت البيوت على جانبيها، وإذا سار نهاراً يشير إلى موضع ما ويقول هنا الرعب.