خالد صلاح

أحمد أيوب

كلمة السر فى الحرص الفرنسى على الشراكة مع مصر

الأحد، 29 أكتوبر 2017 10:00 ص

إضافة تعليق
لم يجامل إيمانويل ماكرون مصر عندما تحدث عن الظروف الصعبة التى تمر بها، ولم يكن يبالغ عندما قال إن الرئيس السيسى أدرى بظروف بلده، ولم يكن مخطئًا عندما قال إنه لا يسمح لنفسه أن يعطى دروسًا للآخرين.
 
فى كل هذا كان الرئيس الفرنسى يعبر عن قراءة محايدة وعقلانية للواقع الذى تعيشه منطقة الشرق الأوسط برمتها، وفى القلب منها مصر.
 
ماكرون بالتأكيد لم يخترع هذه الرؤية من فراغ، ولم يعلن عنها من باب الكرم، فليس لدى الفرنسيين هذه الثقافة، وإنما لدى ماكرون أجهزة أمنية ومعلوماتية على أعلى مستوى، وقائمة ضخمة من المستشارين السياسيين والفنيين، تصل لأكثر من 27 مستشارًا وضعوا أمامه خريطة الأحداث فى الشرق الأوسط ومصر، والمخططات التى تستهدفها، والأهم الجهد الواضح الذى تبذله مصر فى محاربة الإرهاب على أرضها، وفى المنطقة بكاملها.
 
وضعت هذه الأجهزة أمام الرئيس الذى يعمل فى إطار مؤسسى تقارير، خلاصتها أن مصر هى الدولة الأحق بالدعم فى هذه الحرب التى تخوضها نيابة عن العالم.
 
يقينًا كما قال ماكرون، ففرنسا تدافع عن حقوق الإنسان كجزء من القيم العالمية، لكن ما لم يقله وبدا واضحًا فى كلامه ضمن إجابته عن سؤال حول مناقشته ملف حقوق الإنسان مع الرئيس السيسى، إنه وإدارته لن يسمحوا أبدًا بأن يكون ملف حقوق الإنسان بابًا خلفيًا للدفاع عن الإرهاب أو من يمولونه ويدعمونه، كما لن يسمحوا بأن يكون هذا الملف، بما يتضمنه من مغالطات، ومنظمات تعمل لحساب أنظمة، سببًا فى تشويه دول مركزية، أو التأثير على علاقات دولته بهذه الدول التى تتصدى بجرأة وقوة للخطر الذى دفع العالم، وفى مقدمته دولته فرنسا ومصر، ثمنًا غاليًا بسبب التساهل العالمى معه، والفهم الخاطئ لملف حقوق الإنسان الذى استخدم كثيرًا لأغراض غير معلنة.
 
ارتباطًا بهذا، قد يكون المعلن من دولة مثل فرنسا التعامل مع إمارة الإرهاب قطر، لكن هذا التعامل كما يقول خبراء فى السياسة الفرنسية ليس دليلًا على اقتناع بقطر كدولة تحترم الاتفاقيات والمبادئ الدولية، لكنها لغة المصالح الاقتصادية الغالبة، فقطر تمتلك فى فرنسا استثمارات تزيد على 20 مليار يورو، ولديها لوبى مصالح قوى هناك يفرض على أهل السياسة والحكم مراعاته فى كل تصريحاتهم، لكن هذا لا يمكن أن يؤثر على توجهات الدولة الفرنسية الرسمية التى تأذت كثيرًا من الإرهاب، وتعلم الثمن الذى يدفعه العالم بسبب التمويل الأعمى لهذا العدو، وصناعة تنظيم الشر المسمى بالدولة الإسلامية.. باريس تدرك عبر أجهزتها من يقفون وراء هذ التنظيم، ومن يمولونه، وما أهدافهم، بل وأكثر من هذا، كما قال لى واحد من الدبلوماسيين الفرنسيين، فكل من يحصل على تمويل من قطر أو جماعة الإخوان الإرهابية سواء من إعلاميين أو منظمات حقوقية معلوم لدى كثير من الأجهزة، وتراجعت تمامًا الثقة التى كانوا يتمتعون به.
 
وفى المقابل، تعرف فرنسا جيدًا من يواجه الإرهاب بقوة وإصرار، ويدفع ثمن ذلك من أرواح أبنائه واستقراره، وتظهر هذه التفرقة فى التعامل الفرنسى مع مصر، وحرصها على توطيد العلاقات الاستراتيجية معها ودعمها فى كل المجالات.
 
الأهم أن فرنسا تطمع بشدة فى العودة إلى مجدها الدولى القديم، وماكرون على ما يبدو من تصريحاته ومواقفه، منذ تولى الرئاسة الفرنسية، أنه يخطط لدولة صاحبة نفوذ عالمى حقيقى يتناسب مع تاريخها، بحيث لا تكون تابعة لأحد، ولا ترهن مصالحها بأحد، فهو لا يمل من تكرار رسائل استقلال القرار الفرنسى، ولا يتوقف عن استنهاض ذلك لدى الفرنسيين حتى من خلال المسميات الجديدة التى اختارها للوزارات، وأبرزها تغيير مسمى وزارة الدفاع إلى وزارة الجيوش، طمعًا فى أن تكون  لبلاده قواعد عسكرية فى العديد من مناطق العالم.
 
وكى يصل إلى هذا الهدف لابد أن تتسم رؤيته بالموضوعية، والبعد عن العواطف أو القرارات والتحالفات الانفعالية، فمؤسسات القرار الفرنسية ومنظروها وقياداتها يدركون أن عودة فرنسا إلى المكانة التى تريدها لن يتحقق إلا من خلال تحرك فعلى، من أجل التنسيق مع مراكز القوة والتأثير فى العالم، ومن هنا يأتى بحثه ودعمه لتأكيد التحالف الاستراتيجى مع مصر كقوة إقليمية فرضت نفسها على الجميع، ولم يعد بالإمكان تجاهلها أو الوجود والتحرك فى أى ملف بالمنطقة دون التنسيق والتشاور معها.
 
بالتأكيد هذه الرؤية الفرنسية لمصر لا تحمل أى مبالغة، إنما هى نتيجة واقع على الأرض، فمصر الآن تمتلك القوة التى تفرضها كرقم مهم لا يمكن تجاوزه من أى قوة فى العالم، بل أصبح التنسيق معها فرضًا تلجأ إليه دول كانت قد وصلت فى فترات سابقة إلى تجاهل مصر تمامًا، وعلينا أن ننظر ونتابع كيف يلجأ العالم إلى مصر فى ملفات، مثل ليبيا وسوريا، وكيف يحترمون تحركها فى ملف عملية السلام، والمصالحة التاريخية، وكيف يقدرون جهودها فى مكافحة الإرهاب، وكيف بدأت دول كبرى تتعامل مع مصر، ليس فقد كدولة، وإنما كقوة إقليمية تمتلك مقومات صناعة الاستقرار والسلام فى المنطقة، ومفتاح لا بديل عنه لأفريقيا.
 
ومن بين هذه الدول فرنسا، التى انتبهت إلى هذا الأمر ومكانة مصر وقدراتها مبكرًا، ولهذا لم يكن غريبًا أن نسمع من مسؤول فرنسى رفيع المستوى، هو وزير خارجيتها لودريان، يتحدث عن توجهات يدعمها الرئيس ماكرون نفسه بالتوسع فى مجالات الشراكة الاستراتيجية مع مصر، وأعتقد أن الفترة المقبلة ستشهد توجهات أهم فى هذا الاتجاه، ليس من فرنسا وحدها، إنما من دول وقوى عالمية أخرى، لأن مصر أصبحت البوابة الرئيسية والشرعية لمن يريد العمل فى المنطقة.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة