"علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل"، مقولة من الأثر منسوبة إلى سيدنا عمر بن الخطاب، تُبين مدى أهمية الرياضة فى الإسلام، وحَث الآباء على تعليم أولادهم إياها، بالإضافة إلى فوائدها الصحية الجمة، سواء أكانت فوائد نفسية أم جُسمانية، حتى أننا نعرف أن الرياضى الحق صاحب خُلق قويم.
أنْ تَصنع بطلا رياضيا شىء صعب جدًا، وأنْ تُحافظ عليه وعلى مستواه وترتقى به لهو ضرب من ضروب المستحيلات؛ بسبب التكلفة الباهظة التى يتكلفها ذلك الرياضى لكى يُصبح على ماهو عليه، ويُبدع ويصل ببلده إلى أعلى المستويات رافعًا علمها فوق كل الأعلام الأخرى.
وفى مصرنا العزيزة، هذا الأمر لا يتحقق بسهولة؛ لأنَّ صناعة البطل هنا ليست مُكلفة فقط، بل ما يُواجهه اللاعب من اتحاد لعبته من تعنت وروتين، وقوانين صارمة يجب عليه الالتزام بها، تجعله لا يستطيع أبدًا الثبات على مستواه مهما حدث، وكلنا نعلم أنَّ المؤثرات الخارجية لها دور مُهم وفعال فى التأثير على نفسية اللاعبين، وعلى المستوى الذى يقدمونه فى ألعابهم، ولهذا نجد مثلاً فى رياضة السباحة أنَّ لاعبينا الأبطال العالميين وصلوا لما وصلوا إليه عندما قرروا أنْ يُكملوا تعليمهم خارج مصر؛ لكى يحصلوا على منحة دراسية عن طريق موهبتهم الرياضية، مثلما تفعل الجامعات الأمريكية والأوروبية، ففريدة عثمان، ومروان القماش، وأحمد أكرم جميعهم يدرسون فى الولايات المتحدة، وأبطال الجامعات الأمريكية فى سباقاتهم ولا يُنافسهم أحد، لكن لو استمروا هنا هل سيقدمون ما يقدمونه من إبداعات فى المحافل الدولية؟!!، سأترك الإجابة لكم.
منذ زمن بعيد دأبنا على سماع "التمثيل المُشرف" فى الأولمبياد، أو البطولات الأفريقية، كنا نُهلل لو حصل أحد لاعبينا على المركز العشرين، أو الثلاثين، ونُتبع تهليلنا بالحمدلله، وعندما بدأنا نفهم أنه بإمكان لاعبينا الحصول على مراكز مُتقدمة، بل والذهاب لأبعد من ذلك والمنافسة على ميدالية، أصبحنا نتذمر ونطلب المزيد، لدرجة جعلتنا نطمع "بغباء" فى المزيد والمزيد، والمزيد، دون أن نعِ أمر غاية فى الأهمية، ألا وهو عندما تُطالب لاعبى بلدك بتحقيق إنجاز ما، هل تساءلت إذا ما كان مسئوليهم قد أعطوهم ما يستحقونه مقابل وصولهم لأول درجات هذا الإنجاز؟، ألم تفكر ولو للحظة فى فكرة، أنْ يصل لاعبك المفضل ليكون بطلاً لأفريقيا ويتأهل للأولمبياد، هذا فى حد ذاته إنجاز يصعب على الكثيرين تحقيقه، وأنَّ تحقيق الأرقام "العالمية" ليس بالأمر السهل.
آلمنى كثيرا ما كتبه البطل الأوليمبى السابق علاء الدين أبو القاسم صاحب فضية سلاح الشيش فى أولمبياد لندن 2012، بعد خروجه المبكر من ريو دى چانيرو من دور ال 16، فقد ذكر كمية المعاناة التى عاناها منذ أنْ حصد الميدالية الأولمبية، وكمية الضغط التى تلقاها هو وأسرته؛ لكى يُحافظ على القمة فى ظروف أقل وصف لها أنها قاسية، وإصابات أَلمت به، كل ذلك ونحن ما يشغلنا كيف لا يصل، لا يُحقق، لا يحصد، لم نتوقف عند فكرة الحمدلله أنه وصل من الأساس إلى الأولمبياد، واستطاع الحفاظ على لقبه الأفريقي، ففى مصر هذا إنجاز وإعجاز صدقوني، فى بلد لا يشغل مسئوليها سوى تعجيز المواهب الشابة التى من الممكن أنْ تصنع الفارق لبلدها إذا ما أُتيحت لها الفرصة.
وأخيرًا..
لا تلوموا اللاعبين، لوموا إدارة دَرجت على تعليق شماعة الفشل على اللوائح، والنظم والقوانين، هى من أضرت بلاعبينا وجعلتنا نعود من جديد إلى "التمثيل المُشرف"، كفانا نقد لهم هم أبطال كِبار تفوقوا ووصلوا إلى العالمية، وذهبوا بنا إلى مكان بحجم ومكانة دورة الألعاب الأوليمبية، من حقهم عليكم أنْ تشجعوهم حتى مع خسارتهم، هم قاموا بواجبهم وأدوا ما عليهم، وقبل أن تجرحوهم بحرف، ضعوا أنفسكم فى مكانهم، وقتها ستدركون جيدًا حجم المأساة التى أقحمتوهم فيها بنقدكم اللاذع لهم.
مبروك لنا وعلينا أننا ننتمى لمصريتكم يا أبطالنا، استمروا فى عطاءكم لا تلتفتوا إلى كل ما هو هدام، سيروا فى دربكم، وستصلون لمبتغاكم فى النهاية، إن لم يكن اليوم أو فى هذه البطولة، فدومًا هناك غدًا