بغض النظر عن الاختلافات الحادة حول كون ما وقع فى تركيا انقلاباً فعلياً فاشلاً، أو مسرحية انقلاب أعدها أردوغان من ألف المسرحية إلى ياءها، أو مسرحية جرى تمريرها أو الإيحاء بها، ثم القضاء عليها.
وبغض النظر عن مدى علم أجهزة المخابرات التركية بالإعداد لسيناريو الانقلاب أو وقوعه من عدمه. وبغض النظر عن تورط أجهزة مخابرات غرب / أمريكية فى العلم، أو الإيعاز، أو المشاركة والتدبير، أو الصمت حيال ما جرى فى تركيا.
بغض النظر عن كل ذلك، فإن الواقع يقطع بفشل محاولة الانقلاب على نظام الحكم الإخوانى فى تركيا. كما يقطع الواقع بأن أردوغان قد أفلت عنقه من المقصلة بأعجوبة.
تلك هى الحقائق على الأرض. ولكن حين ننظر نجد أن هناك وقائع أخرى على الأرض تنطق بأمور لها من التداعيات المستقبلية ما لم يستطع أردوغان أن يستشرفه حتى الآن
فأردوغان فى إطار ردة الفعل على الانقلاب ـ وهى ردة فعل تجرى بعيداً عن العقل والمنطق ومصالح البلاد والعباد ـ دعى شعبه ـ والمقصود هنا أنصاره من ميليشيات الإخوان ـ إلى النزول إلى الشارع لمواجهة الانقلاب. وهى دعوة مجنونة لم تحسب حساباً للعواقب، فهى دعوة لمذبحة، ومواجهة مسلحة بين الجيش والشعب، واحتمال لنشوب حرب أهلية ما زالت نذرها تلوح فى الأفق. فلولا استسلام الجنود والقوات للميليشات وقوات الأمن الموالية لكانت الكارثة.
وقد صاحب ذلك مشاهد صادمة تمثلت فى تقييد الجنود والقادة على نحو مهين، وانبطاحهم أرضا عرايا من ملابسهم، وآثار التعذيب بادية على وجوههم ورؤوسهم وأجسادهم، بل وصل الجنون إلى حد ذبح بعضهم. دون الأخذ فى الإعتبار أن لهؤلاء القادة والجنود أهل وجيران، ولهم رؤساء ومرؤوسين وزملاء داخل المؤسسة العسكرية. وقد تم إلقاء القبض على عدد من القادة والضباط والجنود بناءًا على قوائم يبدو من سرعة القبض عليهم أنها معدة سلفاً على خلفية الانقلاب الفاشل.
وبدلا من الإكتفاء بإقصاء من يُشتم مشاركته فى العمل الانقلابى، وتقديمه للمحاكمة العادلة، مع معاملة كريمة تليق بحقوق الإنسان، التى تلتزم بها الدول المنتمية لحلف الناتو، ومن بينها تركيا، فإذا بالدائرة تتسع لتشمل كل من يُشتم تأييده لعبد الله جولن، عدو أردوغان الأول، الذى يعيش فى منفاه الاختيارى بأمريكا. وهذه المعاملة المهينة مع الجيش التركى سيكون لها ما لها فى المستقبل القريب، على تماسك الجيش ووحدته، وبقاءه على ولائه لأردوغان.
وفى إطار ردة الفعل على المحاولة الانقلابية عصف أردوغان برجال فى القضاء وفقاً لقوائم معدة سلفاً تجاوزت آلاف القضاة، وطالت رئيس المحكمة الدستورية العليا، فيما أطلق عليه عبارة تطهير القضاء، وهو لفظ مهين فى ذاته، ولا يوجد أمام الباحثين رابط موضوعى بين القضاة ومحاولة الانقلاب تبرر لأردوغان ما يقترفه من آثام فى مواجهة رجال القانون. وتعد ضربة القضاء هى الضربة الثانية لمؤسسة من مؤسسات الدولة، بعد مؤسسة الجيش.
ثم تأتى مؤسسة الأمن فى المرتبة الثالثة من حيث التطهير، حيث يجرى إلقاء القبض على رجالات الأمن الداخلى وفقاً لقوائم كذلك معدة سلفاً من قبل التنظيم الإخوانى بتركيا.
ثم طال الأمر موظفى الدولة حيث منع ما يزيد على الثلاثة ملايين موظف من السفر.
ومن هنا يمكن رصد شرخ داخل مؤسسة الجيش بين مؤيد ومعارض. وشرخ بين الجيش ورجالات الأمن، وشرخ بين رجال الأمن وبعضهم البعض. وشرخ بين رجالات القضاء بعضهم البعض، وشرخ بينهم وبين باقى مؤسسات الدولة.
تلك الشروخ التى أصابت حوائط وأسقف البيت التركى تجرى حفاظاً على الديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان من وجهة النظر الأردوغانية.
ولا ريب عندى أن من توقف عن مناصرة الانقلاب من الأتراك وقوفاً فى صف أردوغان إنما فعل ما فعل حفاظاً على مدنية الدولة، وحفاظاً على التجربة الديمقراطية التركية، وليس حباً فى أردوغان، إلا من أنصاره من أعضاء جماعته.
وما جرى ويجرى فى تركيا الآن يصعب تصنيفه على أنه حفاظاً على الديمقراطية، وحقوق الإنسان. ويوم يستفيق الأتراك على أردوغان وهو يمارس نازيته الجديدة ضد شعبه، فلن يتركوه فى سدة الحكم ساعة. وهو قد انتهى به الحال إلى ركوب هذه الموجة العالية التى ستنتهى به حتماً إلى قاع المحيط.
حــســـن زايـــــــد يكتب: شــروخ فـى الجـدار الـتركى
الجمعة، 22 يوليو 2016 08:00 م
أردوغان