لابد أن نتفق ابتداءً على تحرير المصطلحات، حتى يمكننا فهم أبعاد الصورة المتكاملة للموقف فى القطر السورى الشقيق. فسوريا هى القطر الشقيق الذى كان يتمتع بقوة عسكرية ـ بالمعنى الاصطلاحى ـ بعد العراق ومصر. والجيش العراقى قد تم حله وتسريحه بعد الغزو الأمريكى للعراق. والعراق فى طريقة إلى التفتيت والتقسيم على أساس عرقى ودينى ومذهبى، ولم يبق أمام الدولة اليهودية الصهيونية لمد حدودها إلى الفرات سوى سوريا وجيشها. ولم يبق أمامها لمد حدودها إلى النيل سوى الجيش المصرى. ولذا فإن بقاء سوريا موحدة يعوق هذا المشروع، ويمثل جبهة مفتوحة على الكيان الصهيونى مهما بلغ ضعفها وتهافتها، فهى على أقل تقدير تشغل حيزاً من تفكيره، وجزءًا من قواته، وتمثل مسمار جحا فى الجدار الصهيونى. وتقسيم الجيش السورى وحله وتسريحه، وتقسيم سوريا وتفتيتها على أساس عرقى ودينى ومذهبى، يعد هدفاً رئيساً، يجرى العمل عليه على قدم وساق، بغض النظر عن الشعارات المستخدمة، والرايات المرفوعة، التى تدور فى إطارها المعارك الطاحنة لإسقاط النظام، وتقسيم الدولة، وتسريح الجيش، لأنه لن يبقى أمام المشروع الصهيونى سوى الجبهة المصرية، التى يسعون بكل قوة إلى إنهاكها حالياً. وحلب هى إحدى المحافظات التى كانت تقع تحت سيطرة الجيش السورى الشرعى، جيش الدولة الســورية.
والمنطق يقول إن القوات التى تأتى من خارج حلب سعيا للاستيلاء عليها هى القوات المهاجمة، وهى قوات المعارضة على اختلاف فصائلها، التى تضرب وتقصف الأماكن الموجود فيها القوات المتمركزة المدافعة من داخل حلب، وهى القوات السورية. والقوات المدافعة المتمركزة داخل حلب حين تضرب وتقصف فإنها تضرب وتقصف القوات المهاجمة الآتية من خارج حلب. ومن هنا يصبح التساؤل عن مكان وقوع قذائف الجانبين تساؤلاً مشروعاً، والإجابة عنه تكشف الأكاذيب والأضاليل التى يروج لها الإعلام الأمريكى والغربى. فالدعاية المغرضة المصاحبة للمعارك الدائرة فى حلب بين الجيش السورى وحلفائه ـ روسيا وإيران وحزب الله ـ من جانب، والجماعات الإرهابية ـ جبهة النصرة، وجيس الإسلام، وأحرار الشام، وداعش ـ وحلفائها ـ حلف الناتو، وأمريكا، وتركيا، وقطر، والسعودية ـ من جانب آخر، تستهدف الجيش السورى والرئيس بشار الأسد، عن طريق تزييف الحقائق، والتلاعب بالعقل الجمعى. حيث يجرى تصوير الجيش السورى على أنه لا يستهدف سوى المدنيين، وخاصة الأطفال، والمستشفيات دون غيرها من أهداف، كأنه قد تفرغ تماماً لهذا الأمر، وقد نفض يده من قتال قوات المعارصة المسلحة المناوئة له، والمستهدفة لإسقاطه. أما قوات المعارضة التى تسقط آلاف القذائف، وتصب جم غضبها فى كمية نيران غير مسبوقة، فلا تسقط إلا على مواقع الجيش السورى، الذى يبدو أنه موجود فى منطقة غير آهلة بالسكان، مع أنه موجود فى القلب من حلب. تلك هى الصورة التى يصدرها لنا الإعلام الغربى وتوابعه وملحقاته ومنظماته المدنية العاملة على جبهات القتال المفتوحة هناك فى أضخم عملية تزييف للوعى يشهدها التاريخ. حتى عملية قصف المستشفى فى حلب جرى تصويرها باعتبارها إحدى مجازر النظام السورى، ثم أشارت أصابع الاتهام إلى الطيران الروسى، فنفت روسيا ورجحت قيام طائرات حلف الناتو بذلك، ثم انحصر الاتهام فى الطيران التركى، ثم صرح كيرى بأن قصف المستشفى قد جاء من مناطق تسيطر عليها المعارضة السورية. وهكذا تاهت الحقيقة تحت ركام الزيف والتضليل. والطريف المبكى أن غارات النظام ضد فصائل المعارضة المسلحة دائماً مدانة من جانب الكافة، وكأن المطلوب منه أن يضع يديه خلف ظهره فى انتظار لطمات هذه الفصائل على خديه، أما ضربات الفصائل فهى مرحب بها دائماً. وقد نسى الجميع أن النظام السورى، مهما اختلفنا معه، لديه دائماً ما يدافع عنه، ويكسبه شرعية لدى مؤيديه ومناصريه، على نحو أبقى عليه قائماً فى مواجهة كل تلك العواصف لكل هذه السنوات. ونتكلم عن الفصائل المسلحة ـ رغم أنها مدعومة من جهات ودول وأجهزة مشبوهة ـ باعتبارها تقطر وطنية، مع أنها مصنفة لدى بعض الدول والهيئات باعتبارها جماعات إرهابية. إذن فخلط الأوراق أمر مقصود ومستهدف، والقصف الإعلامى للعقول يستهدف فى النهاية تزييف الوعى، وطمس الحقائق حتى تكون المواقف مضطربة ومشوشة، فلا تنهض لها إرادة فى مواجهة هذا الطوفان. أما محادثات السلام التى تجرى هنا أو هناك، فما هى إلا تضييع للوقت من ناحية، وتبييض لكافة الانتهاكات التى يرتكبها الجميع بلا استثناء من ناحية أخرى. وهم لا يفعلون ذلك إبراءً للذمة، أو غسلاً للأيدى، لأن الذمم خربة، والأيدى مغموسة فى دماء الشعب السورى. وستظل الأوضاع فى سوريا على حالها حتى يحقق أحد طرفى الصراع من أصحاب المصالح من غير السوريين بالضربة القاضية الفنية لأهدافه. إما أن تتفتت سوريا أو تبقى موحدة، والجميع ستطارده لعنة الدماء المسفوكة بلا ذنب ولا جريرة.
حسن زايد يكتب: سوريا.. محادثات بلا قيمة ودماء فى رقبة الجميع
السبت، 07 مايو 2016 06:00 م
أحداث حلب