
أما الجزيرة الأولى ففيها يقف التعقل والمنطق وحيدان مقهوران يتأملان فى دهشة كيف وصل الحال... ويسألان عن أسباب الانهيار والتردى.. يبحثان عن السبل لتربية العقول قبل الأبدان..وتهذيب النفوس وتطهير القلوب.. وأما الثانية فمزدحمة مع الأسف بكل ما هو ردىء ومزيف.. الكذب والخداع.. الجهل والتكبر.. الصوت العالى والعويل.. وأيضا – ويا للدهشة - السذاجة وقصر النظر...
ليس بين الجزيرتين جسور.. ولا طريق ولا حوار.. بل كره ومرارة ونفور.
وقصة الجزيرتين طويلة وقديمة.. لا أحد غير الخالق العظيم يعرف على وجه الدقة متى بدأت... ولا كيف تطورت.. يظنها البعض تعود لآلاف السنين ولكن أكثر الحكماء يرونها مع بدء الوجود... من أيام قابيل وهابيل.. وربما قبل ذلك بزمان. !
صراع دائم ومرير.. وجدال ممل وطويل.. بين الحق والباطل.. بين العدل والظلم.. والغلبة فيه ليست دائما - ومع عميق الأسف - للحقيقة والصواب.. والنصرة فيه ليست غالبا للحكمة والعدالة.
هل تعرفون لماذا ؟... لأن الشجاعة ليست بالضرورة أن تقول لا.. ليست دائما أن تصرخ وتستنكر.. أن تهلل وتنحب... أن تسير فى ركاب الحمقى وفى ذيول الغوغاء.. كثيرا ما تكون الشجاعة.. أن تتوقف برهة لتفكر.. ثم تأخذ الجانب الصواب حتى لو مع الأقلية.. وحتى لو تعرضت فى سبيل ذلك للتخوين والتنكيل.. صحيح أن الزمن كفيل وحده بتصحيح الأوضاع.. ولكن ذلك يكون فى أغلب الأحيان بعد أن تفقد الحقيقة نفسها معظم بريقها وجل أهميتها.. وبعد أن يخرب الزيف والخداع كثير من العقول الساذجة والنفوس البريئة.. وربما أيضا الأوطان الناهضة والبيوت العامرة.
أما ميدان المعركة فمزروع بنبات الجهل وأشجار الحماقة.. تزينه من جميع الجوانب عناقيد الشر وظلمات الحقد والكراهية.
والصعب المجهد.. أن تناقش بهدوء.. وتفكر بروية وتأن.. أن تدحض الحجة بالحجة.. وتجابه الادعاء بالبرهان والدليل.. أما السهل اليسير فأن تصرخ وتحشد.. أن تفتح فمك وتغلق عينيك.. أن تعمل لسانك وتسكت عقلك.. أن تدع التفكير.. وتطلق العنان لجموح العاطفة وغرور القوة وجبروت الكثرة.
قد يسألن أحد الآن.. وما علاقة كل هذا الذى سبق بقصة الجزيرتين ؟.. وأرد على الفور.. إنها نفس القصة.. قصة الحشد للهدم.. وتصدير الدمار.. قصة نظن فى كل مرة - بعد أن نذوق هول ويلاتها - أنها لن تتكرر.. لكنها ستظل على الدوام قصة الأمس واليوم والغد.