تشير العديد من التحليلات الخاصة بالتوجهات الخارجية لدونالد ترامب استنادا للتصريحات التى أدلى بها أثناء حملته الانتخابية، إلى أن لديه توجه "انعزالى" فى السياسة الخارجية، خاصة تجاه الشرق الأوسط، بمعنى أنه سيسير على خطى إدارة الرئيس أوباما فيما يتعلق بعدم الانخراط فى صراعات المنطقة، ويصاحب ذلك إتاحة مساحات بصورة مقصودة وربما بصورة غير مقصودة لدول متعددة فى المنطقة مثل إسرائيل وتركيا ومصر لممارسة دور مؤثر فيها، فضلا عن توسع الدور الروسى فيها، ويظل مستقبل علاقة ترامب مع السعودية وإيران ضبابيا.
ولكن يجب التريث فى تقييم وتقدير التغيير الذى يمكن أن يأتى به ترامب فى سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة، وتجنب الإفراط فى التعامل مع فوزه على أنه "بشرة خير" كما يرى البعض، أو الترويج لفكرة أنه هو من سيقود مرحلة "الصداقة الكاملة" فى العلاقات مع مصر، وذلك لعدة أسباب، منها أنه رئيس من خارج مؤسسات الدولة وخبرته كرجل أعمال تختلف عن الخبرة السياسية لمنافسته هيلارى كلينتون، كما تحدث أثناء حملته الانتخابية عن العديد من الأفكار المتناقضة والمختلطة تجاه قضايا السياسة الخارجية مثل إيران أو العلاقة مع الخليج أو مع روسيا أو مع الصين، وهو ما يعنى عدم تبلور رؤية واضحة لديه خاصة فى ظل عن عدم اكتمال تشكل الفريق الذى سيعتمد عليه فى السياسة الخارجية.
وذلك إلى جانب القيود والضغوط التى تمارسها مؤسسات الدولة عليه كرئيس للولايات المتحدة، والتى يمكن أن تضع سقفا لما يمكن أن يحققه من تغيير فى سياساته الخارجية، والمحك الرئيسى هو إلى أى مدى يخدم هذا التغيير المصالح الاستراتيجية للدولة كما تراها هذه المؤسسات.
من المهم أن يكون تعامل مصر مع الولايات المتحدة فى عهد ترامب من خلال استراتيجية "التعامل بالتجزئة"، وتقتضى هذه الاستراتيجية من ناحية عدم الإفراط فى توقع أن تكون العلاقات معها حميمية بنسبة 100% على نحو ما يذهب إليه البعض استنادا للتصريحات التى أدلى بها ترامب من أن بلده ستكون "صديق حميم لمصر وليس مجرد حليف"، ومن ناحية ثانية عدم التقليل من الفرص التى تصاحب وصوله للسلطة خاصة فى ظل تقديره لنظام السيسي، ومن ناحية ثالثة تقبل وجود قضايا خلافية قد تثور خلال الفترة المقبلة.
والتعامل وفق هذه الأبعاد الثلاثة مع إدارة الرئيس ترامب خلال السنوات الأربعة المقبلة يتطلب التركيز على ثلاث قضايا رئيسية فى العلاقات معها.
القضية الأولى هى دعم التحركات المصرية فى المنطقة سواء فيما يتعلق بالصراع فى سوريا أو ليبيا أو العراق، على نحو يشجع القاهرة على طرح أفكار أو مبادرات تدفع عملية التسوية السياسية لهذه الصراعات.
والقضية الثانية هى العمل على توسيع نطاق هذه الاستثمارات وإعادة توجيهها للقطاعات ذات الأولوية بالنسبة للدولة، حيث بلغت نسبة إجمالى الاستثمارات الأمريكية فى مصر 33.2% من استثمارات الولايات المتحدة فى أفريقيا حتى نهاية العام 2015، وتعد مصر الثانية فى الشرق الأوسط بعد الإمارات فيما يتعلق بحجم الاستثمارات الأمريكية فيها.
والقضية الثالثة هى ترشيد الحرب على الإرهاب فى المنطقة من خلال إعادة توجيه نطاق هذه الحرب حتى لا تقتصر على داعش وإنما تشمل كل التنظيمات الإرهابية.
والتفكير بهذه الطريقة يتطلب وجود فريق جديد فى الدوائر المعنية بإدارة العلاقات مع الولايات المتحدة، يكون أكثر قدرة على الكلام والحوار وتطوير الأفكار مع الجانب الأمريكى بما يوضح وجهة النظر المصرية ويعبر بصدق عن التصورات المصرية، ويكون قادر على إقناع الإدارة بما يقوله.