الحاج صلاح محمود، ذو الـ67 عامًا، رحلاته أسفل الشمس سكبت عليه سمارًا مثل سمار النيل الذى قضى حياته بجواره، يبدأ اليوم قبل الظهر بساعات قليلة، وتستمر رحلته مع عربته الصفراء حتى ينهكه السير فيعود بالجنيهات القليلة التى جمعها إلى مساحة صغيرة يعيش فيها بحى "ناهيا"، فى بولاق.
تسأل عم صلاح عن دخله فى اليوم فيبتسم ابتسامة سخرية ويقول "فلوس إيه، الشغلانة ديه مبقتش تجيب فلوس.. أنا بقالى أيام شغال مجمعتش 25 جنيهًا".
وطول العمر ده مفكرتش تمد أيدك وتعمل زى ما ناس كتير بتعمل؟.. تلمع دمعة فى عينه يخفيها بابتسامة وهو يقول: الحمد لله.. عشت آكلها بعرق جبينى.
مهنة عم صلاح تندثر لأن مصر بأكملها تقريبًا لم يعد بها "جاز أبيض"، هو لا يعرف لماذا اختفى هذا الجاز فى ظروف غامضة، ولكنه يعرف أنه أثر على رزقه مثلما يحكى "كان جاز نضيف مالوش ريحة ولا لون.. فكان بيستخدم فى البواجير والتنضيف.. لكن دلوقتى الجاز كله مينفعش لحاجة" وأصلاً مافيش زباين.. فين وفين دلوقتى لما بواب ياخد إزازة تقضيه طول الشهور، بعد ما كان الجاز للبواجير وكل حاجة".
كشك صغير ربما يعين الرجل الذى يشارف على عقده السابع، هو شخصيًا لا يطلب شيئًا، وحتى حينما أصابه مرض، لم يطلب شيئًا من أحد وأنقذه الجيران بالصدفة، وتبقى انحناءه ظهره أمام عربته الصفراء، ويديه الخشنتين شاهدين على رجل يعافر ليحيا بكرامة حتى آخر لحظات حياته، وشاهدة على آخر بائع لعربات الجاز اليدوية فى المناطق الحضرية.



