هناك مثل مصرى دارج عمن لا يعجبه العجب، ولا يعجبه الصيام فى رجب، مع أن الطبيعى أن يعجب المرء العجب، وكذا الصيام فى رجب، إلا أن المثل يطلق ويقصد به من لا يعجبه شيئا، حتى ولو كان العجب ذاته.
وهذا المثل ينطبق على من يدعو للتظاهر يوم 25 يناير القادم، ومن يؤيد هذه الدعوة، ومن يلتزم الصمت فى مواجهتها بزعم أن كل إنسان حر فى أن يفعل ما يشاء، كيفما شاء، أينما شاء، وقتما شاء، وبالقطع كل هؤلاء شركاء فى الوطن، ولهم ذات الحقوق، وبالقطع أنا لا أملك حق المصادرة عليهم، ولكن هل يحق لى أن أتقاسم معكم ذات الحقوق، وأتشارك معكم فيها، كما تشاركنا فى الوطن؟.
لو سألت أحد الداعين إلى التظاهر عن العلة وراء تلك الدعوة؟ لقال لك لأن شيئاً لم يتحقق بعد ثورتين، والوضع كما هو، بل وقد يكون أسوأ. وهنا أقول لهذا الفريق إن كلامه ليس صحيحاً، لأن هناك أمورا كثيرة قد تغيرت، أو كما يقول الفلاسفة: إن المرء لا ينزل النهر مرتين. لأن الماء متجدد دائماً. هذه واحدة. الثانية: أن دعوتك تصح لو أن النظام السياسى الحالى قد تسلم قيادة البلد وهى تمثل سويسرا الشرق، ثم صار حالها على ما نحن عليه، إلا أن الواقع يقول بأننا قمنا بثورتنا؛ لأن النظام الأسبق، قد وصل بالبلاد إلى مستوى يقارب مستويات الدول الفاشلة.
وهذا الإرث الثقيل فى حاجة إلى تغيير وإصلاح، والتغيير والإصلاح فى حاجة إلى وقت. والثورة ليست "زر" فى جهاز كمبيوتر، بمجرد الضغط عليه، يتم التغيير من حال إلى حال، فى اللازمن، لأن ما يتم فى اللازمن لا مكان له إلا فى العالم الافتراضى، الذى ينعدم بمجرد إغلاق الجهاز الثالثة: أن الحكمة تقول بأنه ليس مع العين أين، فليس من المعقول، ولا المقبول، القول بأن شيئاً لم يتم على أرض الواقع؛ لأن هناك أشياء ملموسة ومرئية قد تمت بالفعل. ولا ينكرها إلا من بعينه رمد. ولم تستغرق الزمن المعتاد، وإنما جرى تكسير الأرقام القياسية فى الإنجاز فيها، وبالتكلفة المعتادة.
ومن بين هذه المشروعات مشروعات الطرق، ومشروع قناة السويس، ومشروع الضبعة وغيرهم . وقد يرد عليك هذا القائل بأن هذه المشروعات لم تكن أولوية أولى، وكان يمكن إرجاءها، والإلتفات إلى الإحتياجات اليومية للمواطن . وهنا أقول له بأن ذلك يمثل إختلافاً فى وجهات النظر، وما يحتمل الإختلاف حول أولويته يتحمل فيه المسئول مسئولية إختياره، لأن ما قد تراه ضرورياً، قد يراه غيرك كذلك .
وفى النهاية هو المسئول عن خياراته أمام الشعب . إلا أننى أكثر ميلاً للإصلاحات الإستراتيجية التى تؤثر على مفاصل الدولة باعتبارها قاطرة التنمية المستدامة، عملاً بالمثل الصينى: "علمنى كيف أصطاد، ولا تعطنى سمكة". خاصة أن الأعباء التى يتحملها المواطن كان يعانيها ابتداءً، وليس هناك أعباء إضافية عليها. وقد يقول قائل بأن هذه الإعمال لا لزوم لها من الأصل، وأنها تزيد غير مقبول، وأنا أظن أن القائل بذلك لا يستحق عناء الرد عليه . ثم تعال نتشارك السؤال : وما نتيجة هذه التظاهرات التى نصبو إلى تحقيقها؟.
وللإجابة على هذا التساؤل: ذرنا نبحث فى النتائج المترتبة عليها. قد يقول قائل بأننا نصبو إلى إشعار القيادة السياسية بمشاكلنا، وإشعارها بالحرج. وهنا نقول بأن القيادة السياسية ليست فى حاجة إلى ذلك؛ لأن القيادة السياسية دارسة لمشاكل مصر فى زعمى دراسة جيدة، وأن القضية لديها هى قضية ترتيب الأولويات، التى قد نتفق أو نختلف حولها. وقد يقول قائل: بأن القصد من وراء التظاهرات هو إسقاط النظام الحالى واستبداله بآخر، سواء لعجزه عن مواجهة المشاكل، وقد تم الرد على ذلك. أو لأنه لا يرغب فى أن يحكمه رجل عسكرى. وهنا يكون الرد بأن الرئيس الحالى قد خلع رداءه العسكرى، وارتدى زياً مدنياً، وترشح وجرى انتخابه وفقاً لذلك، ولا محل للمزايدة بذلك، لأن الواقع يدحضه. ولا ريب أنه من العبث القول بأن التظاهر لمجرد الرغبة فى ممارسة هذا الحق، ولاختبار قدرة القيادة السياسة على احترام حقوق الإنسان، لأن الأمر هنا ينطوى على سفسطة فارغة، فى وقت لا تحتمل فيه البلد هذا السخف. الطريف فيمن لا يعجبهم العجب ولا الصيام فى رجب أنهم من أصحاب رؤوس الأموال الذين لو سددوا فقط الضرائب المقررة عليهم وفقاً للقانون ـ دون الالتجاء إلى أساليب التهرب ووسائله التى اعتادوا عليها ـ لحلت نصف مشاكل مصر، ومعظمهم يمتلك جرائد سيارة، أو قنوات فضائية، تعمل أدواتهم من خلالها على تسويد الدنيا والحياة فى وجه المواطن وعيونه . أو يكون ممن كان يتأمل أن يكون له مقعد فى السلطة ثمناً لثوريته، إلا أنه لا يصلح للعمل التنفيذى على الأرض، فجرى استبعاد اختياره. أو يكون ممن تصدر مقاعد السلطة إلا أنه ثبت عجزه وفشله، فجرى استبعاده.
كل هؤلاء جلسوا الآن منظرين لأحوال البلد السياسية والاقتصادية لإثبات عجز وفشل القيادة الحالية فى زعمهم، مثلهم فى ذلك مثل أرسطو عندما سئل عن مدى لزوم، فأجاب بقوله: "إذا لزم التفلسف فلابد أن نتفلسف، وإذا لم يلزم التفلسف فلابد أن نتفلسف لكى نثبت عدم لزوم التفلسف"، ارحمونا يرحمكم الله.
صورة أرشيفية