"قرّر أن يخلع عنه جبّته وعمامته. هكذا من دون أن يعرف كيف سيكون بعد ذلك وماذا سيفعل. هل هو موت والده الذى حرّره؟، هل هى إصابته بمرض السرطان وخوفه على حياته؟، أم ملله من البيت ومن زوجته ومن ذهابه إلى الجامع؟، أم رغبته الجامحة فى امرأة أخيه المتوفّى؟"
تلك هى بعض الأفكار التى دارت فى عقل بطل رواية "لا طريق إلى الجنة"، للكاتب اللبنانى حسن داوود، والصادرة عن دار الساقى فى بيروت.
فبطل الرواية "رجل الدين"، قرر أن يتخلى عن عمامته وعن تبليغه للدعوة الإسلامية بعد معرفته بإصابته بمرض السرطان، ذلك الحدث الذى كان بداية الرواية، فتبدأ بمشهد المستشفى و تحليل الفحوص الطبية له واكتشاف الطبيب أنه مصاباً بذلك المرض وهو مازال صغيراً فى السن.
وكان اكتشاف المرض نقطة تحول محورية فى حياة البطل، والتى إنطلق منها بأخذ قرار كان لا يستطيع القيام به فى حياة والده، ذو السطوة والقوة الشخصية، فحياته كانت تحصيل حاصل، فى ظل إنها لم تكن من اختياره ولا تناسب شخصيته أو أهوائه، لم يخترها لنفسه بل فُرضت عليه، حيث أنه كان من عائلة شكلت سلسلة من رجال الدين منذ أقدم الأجداد حتى صار الأمر متوارثاً وتقليداً بالعائلة لا يجب الخروج عنه ولا يسمح لأحد باتخاذ طريقاً غيره، حتى ولو كان لا يناسبه أو يحبه، وقد عانى البطل من هذا القهر وعبر عنه حسن داوود بقوله :
"بعد أن لبست العباءة والعمامة أصبحت أشعر أننى أستعير ثياب سواى، حتى إنى كنت أستغرب نفسى حين ينظر إلى أحد ما على الطريق تلك النظرة التى تسبق وصوله لى وقوله السلام عليكم، يرانى أصغر مما يجب ولا أعرف إن كانت مشية رجل يؤم الناس فى صلاتهم".
وهكذا كان البطل طوال حياته، فى ذلك الصراع النفسى، ما بين المفروض عليه وما يريد أن يكون عليه فى الحقيقة، وقد زاد من معاناته وهمومه مرض أبيه طريح الفراش، وزوجته دائمة الشكوى والتزمر، وأبنائه المصابين بالبكم، وأخيراً اصابته بالسرطان، والذى تسبب فى استئصاله لبعض من أعضاء جسده.
وعلى الرغم من الصراعات التى تصيب نفس الأنسان، والحيرة التى تنتابه فى حياته، واحساسه بالضياع وعدم القدرة على إتخاذ القرار، إلا أنه تأتى اللحظة التى يقرر فيها دون النظر إلى أى شئ، فى محاولة للوصول إلى السلام النفسى.
وهذا ما قرر فعله البطل فى النهاية، ويضع الكاتب حسن داوود حد لكل تلك التداخلات النفسية التى تشابكت فيها شخصيات الرواية منذ بداية الأحداث، فبعد وفاة أبيه، أبلغ صديقه أنه سوف يتبرع للجامع بكل كتب أبيه وأجداده، وأنه سوف يخلع عنه ثوب الدين المزيف، والعيش الحياة التى يريد أن يحياها.
وقد تسببت هذا الرواية فى منح الكاتب اللبنانى حسن داوود، أول أمس، بجائزة نجيب محفوظ، والتى تتكون من ميدالية فضية، وجائزة نقدية قدرها ألف دولار، وترجمة ونشر الرواية الفائزة فى جميع أنحاء العالم، وبذلك يعد "داوود" آخر المنضمين لسلسلة هذه الجائزة المميزة التى بدأت سنة 1996.