إيهاب عصمت محمد يكتب: حارس الكنز

الجمعة، 20 نوفمبر 2015 12:00 م
إيهاب عصمت محمد يكتب: حارس الكنز قلم وورقه - أرشيفية

أكمل بقية أوراقك علشان تلحق تطلع جواز السفر، قالها موظف الجوازات بلغته البيروقراطية المملة ، عاوزين شهادة الميلاد وشهادة التخرج وشهادة التجنيد ، لا يمكن استخراج كل تلك الشهادات اللعينة فى أقل من شهر وخصوصا" فى شهر رمضان ، فالمصالح تنهى مواعيدها مبكرا"، تذكر أنها هناك فى بيت العائلة فى دولاب والدته رحمها الله كانت تحتفظ بكل الأوراق لأولادها، بعد وفاتها صار البيت مهجورا" ، لم يدخله أحد قرر أن يذهب لإحضارها فالبيت ليس بعيدا" عن هنا ، انتابته الشجون لمجرد فكرة دخول البيت ، تذكرها وتذكر والده رحمه الله وأخوته ، مر أكثر من عام ولم ير أحدا" منهم ، اختصرت العلاقات بينهم فى ذلك الجهاز اللعين ، المسمى بالتليفون المحمول ، ركن سيارته تحت المنزل ، تغيرت الملامح والوجوه التى يعرفها قد شابت كثيرا" اقترب أكثر ، زينة رمضان معلقة كما هى منذ أعوام ، فتح الباب فصدر منه صرير حزين أصاب قلبه بالوجع ، دخل المنزل بقدم مرتعشة ، وسار بحذر ، أصابه التراب بسعال قوى ، فأخرج منديله وبصق بقوة فيه ، دخل غرفة البنات ، بوستر قديم لعلاء عبد الخالق ، سيمون ، محمد منير ، و مكتب قديم عليه صورهم فى مراحل التعليم المختلفة ومع زميلاتهم ، درج قديم به كوكتيلات الشرائط ، ارتعشت يده عندما وجد صورا" تجمعه معهم وعليها تاريخ يشير إلى التسعينات ، وكلمات جميلة له على الصورة ، دخل غرفة أشقائه ليجد نفس البوسترات تقريبا" ولكنها تميل أكثر ناحية الرياضين لشقيقه( أيمن) مارادونا ، باجيو ، بيبو ، أما شقيقه(على) فكان يحب بوسترات النجمات وبعض السيارات الرياضية ، دخل غرفة الأم وقف مذهولا" لدقيقة ، استجمع شجاعته وفتح الدولاب ، ضربته رائحة المسك المنبعثة من ملابسها ، عاش ساعات فى غرفتها ، مد يده إلى البوم الصور تحت ملابسها ، ضربة طوفان من الحنين ، صور خطوبتها ، زفافها لوالده كم كانت جميلة ، وكم كان والده أنيقا" ، صورها وهى تحمل طفلها الذى يجلس الآن يطالع صورها ، كم كان لطيفا" وقتها ، تحول الآن إلى رجل أربعينى مهزوم يحمل كرشا" كبيرا" ويحمل فوق رأسه الأصلع قدرا" رهيبا" من الهموم ، صور أعياد الميلاد ، المصايف و الأفراح ، صورة والده وهو يحمله كم كان قويا" ورائعا" ، صور أشقائه فى المصيف ، صور النجاح والتخرج ، صور زفاف الأشقاء ، صور الأحفاد ، بدأ يشعر بروائح الطعام المنبعثة من المنازل المجاورة ، الملوخية بالفراخ ، وطعم صنية المكرونة التى يعشقها ، وصينية الكنافه بعد الإفطار ، تراويح ، بوجى وطمطم ، عمو فؤاد ، لمة الأسرة ، الدورة الرمضانية ، أول حب داعب قلبه الصغير ، أصدقاء وجيران الطفولة ، لم يتمكن من إكمال الصور ، انسابت فوق الألبوم دموعه الساخنة ، كيف نسى كل هذا --- أو كيف تناسى ، لكنها لم تنس أبدا" ، ماتت وهى تحرس ذلك الكنز ، أفاق من غيبوبة النوستالجيا على صوت مدفع الإفطار ، وصوت الشيخ محمد رفعت ، نسى الأوراق ، نسى جواز السفر ، ركب سيارته وقرر أن يذهب إلى بيت أقرب شقيقاته ، قرر أن يفطر عندها ، أن يرتمى فى أحضانها ، ويقضى ليلته هناك ويكمل ما فاته من ألبوم الصور.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة