رحل محمد على ولكن قناطره الخيرية مازالت شاهده على بدء تاريخ مصر الحديثة.. وإن كان عصر الخديوى سعيد ولى فقناة السويس بالتأكيد يمكنها الحديث عنه.. وسد ناصر العالى مازال نوره يضىء منازلنا.. و"توشكى" الذى لم يكتمل يشهد عصر مبارك.. هذه المشاريع القومية بالتأكيد تنظر باهتمام نحو مشروعنا الجديد "محور قناة السويس".. ماذا لو نطقت.. ماذا لو تحدثت إلى رفيقها الجديد لتقدم له النصيحة.. كيف يصبح هو النقلة الحقيقية التى تحقق لآلاف الشباب الذين رحلوا الهتاف الذى طالبوا به لبلادهم "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية".
هذه عيون قناطر محمد على التى بكت على مصر بقدر ما روت أرضها.. وعلى مر مشاريع محمد على القومية بين تحديث الأسطول والجيش المصرى، وتحديث التعليم، والصناعات، وغيرها، المشروع الباقى حتى الآن، والذى نقل مصر ذراعيا نقلة غير مسبوقة، ويعتبر حتى الآن هى قوام نظام الرى الصيفى فى الوجه البحرى، وهو وإن كان آخر أعماله، حيث وضع حجر أساسها عام 1947، إلا أنه أعظمها نفعا، وأجلها شأنا وأبقاها على الدهر أثرا.
ستتحدث قناطر محمد على العظيمة والباقية حتى الآن، والتى عمل فيها 50 ألف مصرى بذلوا العرق والجهد، لتقول إنه وضع حجر الأساس لها، وهو يرسى لنظام حكم لا يعرف رجلا غيره، وبعد أن كان قضى على كل مظاهر المعارضة له حتى من السيد عمر مكرم الذى نصبه على البلاد، فأسس معها لنظام ملكى يديره رجل أوحد، وقبل التنفيذ فكر محمد على، وفقا لكتاب تطور الرى فى مصر، لعبد العظيم سعودى، فى خلع أحجار الأهرامات لبناء القناطر، تقول لممرنا الجديد "لولا أن الأجنبى لينان، المكلف وقتها بمشروع بناء القناطر، كان يعلم قيمة الأهرامات وأصدر تقريرا لإنقاذ الموقف يؤكد لمحمد على أن التكلفة ستكون باهظة من نقل أحجار الأهرامات، مقترحا جلب الأحجار من محاجر طرة، لكنت الآن أقف على أرض مصر بديلا عن الأهرامات".
ما أسس له محمد على أيضا من نظام فردى أثناء حكمة هو تحديدا ما عطل بناء مشروعه القومى الأكبر، حيث صاحب مرض "محمد على" فى آخر أيامه، تراخى من الحكومة فى تنفيذ المشروع، قبل أن يتوقف تماما بعد وفاته، وتحديدا فى ولاية عباس الأول الذى رأى أن حالة الخزانة لا تسمح بتحمل نفقات المشروع، ولولا أن سعيد باشا فى ولايته أدرك أهمية القناطر، ما كنا رأينا هذا المشروع حتى الآن.. تخلص القناطر تجربتها ببساطة وتقول "الدرس المستفاد من التجربة.. نريد مشروعا لا يتوقف على شخص.. مشروعا تديره دولة ومتخصصون، ومدروس بشكل واضح لا يدع مجال لتعطيله فى مرحلة ما أو بسبب رأى فردى من شخص وضعته الظروف فى مركز القرار".
ولأن محمد على كان أيضا هو الحاكم الأوحد، فعنده توقف مشروع مصر الضخم وهو شق قناة السويس، وبينما يختلف البعض حول بعد نظر محمد على حين رفض إنشاء المشروع خوفا من جلب انتباه الغرب بشكل أكبر إلى مصر، فإن الحقيقة الواحدة أن رأيه الفردى أوقف مشروع يمثل ركنا رئيسيا فى دخل مصر الآن، ولكن دروس مشروع قناة السويس تمتد إلى أبعد من فكرة حكم الفرد.
تحكى القناة وهى تتذكر رحلة عبور جنودنا نحو تحرير سيناء من فوقها: المشروع بدأ فى الأصل كفكرة لبسط نفوذ الدول الاستعمارية بالفعل على مصر، وتحديدا من فرنسا التى حاولت ضرب بريطانيا وسيطرتها على طريق رأس الرجاء الصالح الذى تعبر فيه التجارة حول إفريقيا، ووفقا لما قاله الدكتور مصطفى الحفناوى فى كتاب الجزء الأول من قناة السويس ومشكلاتها المعاصرة، فإن الخديوى إسماعيل وقف بكل جسارة يدافع عن أن تستكمل فرنسا والدول الاستعمارية بناء المشروع، وجاهد بكل ما أوتى من قوة حتى يقف أمام إتمام المشروع بالطريقة التى خرج عليها، ولكن القدر لم يمهله، وجاء سعيد الذى خضع بشكل أو بآخر لرغبات الطغاة فكانت النتيجة أن عمل المصريين بالسخرة لحفر القناة، وضربوا بالسياط، ومات فى أعمال الحفر 341080 عاملا مصريا، وأصيب العاملون أثناء الحفر بوباء الكوليرا، الذى ظهر فى 16 يونيو 1865، ووباء الجدرى فى أواخر عام1866.
القناة التى بنينها بموت مئات الآلاف وتحطيم مثلهم معنويا وبدنيا، انتهت رحلتها بعدوان ثلاثى على مصر حين حاول ناصر تأميمها من قبضة المستعمرين.. تذكر ذلك وهى تقف إلى جوار ممر تنميتها وتقول له: مشروع مصر القومى لا يمكن أن يرضخ لدولة أخرى، لا نريد مشروعا يبنى على جثث المصريين، ولا مشروعا يجلب لنا الاستعمار مقنعا أو حقيقيا بعد سنوات، يمكنك أن تكون الابن الجديد الذى يتخطى كل أخطائنا.
"قولنا هنبنى وأدى أحنا بنينا السد العالى".. كلمات حليم التى مازال صداها فى آذاننا حتى الآن، مثل أثر السد الذى مازال هو عماد الحياة فى مصر من توليد للكهرباء وحفاظ على مياه النيل، والذى صدر بشأنه تقرير عن الهيئة الدولية للسدود والشركات الكبرى واختاره كأعظم مشروع هندسى شيد فى القرن العشرين.
بصوت يحمل بين طياته شموخ ناصر يتحدث السد العالى: اعتمدنا على شراكة متكافئة مع السوفيت وتعلمنا من خطأ قناة السويس، قاومنا ضغوط البنك الدولى، وكنا نموذجا فريدا لإقامة مشروع قومى هو الأكثر تأثيرا بكل المقاييس على حياة البلاد حتى الآن.
ينظر إلى جواره على بلاد النوبة قبل أن يخفض صوته: هنا جانب آخر، لا يوجد أحد بدون أخطاء، وكذلك نحن المشاريع القومية التى تسابق الزمن لتنقل بلادها نقلات كبيرة.
يستمع بحزن إلى حوار خفيض بين اثنين من أهل النوبة: هنا الجانب الذى يسجن أهله مثلما يسجن المياه بعيدا عن أرضهم.
قبل أن يتابع النصيحة: هنا سيواجهك أهل النوبة المهجرون والذين شكلت بطريقة أو بأخرى سدا بينهم وبين بلادهم مازال الزمن يحاول هدمه حتى الآن.. ولذلك أريدك مشروعا قوميا لا يسلب جزءا من وطن البسطاء فى قلوبهم.. مشروعا وطنيا لا يظلم قطاعا عريضا فى سبيل تحقيق هدف نبيل هو رخاء الأغلبية.. مشروع يخدم المكان المحيط به مثلما يخدم البلاد بطولها وعرضها.
توشكى هنا تتنفس الصعداء، تقف على مقربة من السد العالى وعلى بعد كيلومترات فقط.. وهذا تحديدا ما كان يشعرها أكثر بالهزيمة.. فالسد العظيم الذى يقترب من نهاية سنوات شبابه مازال قادرا على العطاء أضعاف مضاعفة من ما قدمته هى، تحمل على أكتافها أخطاء نظام مبارك كاملة، وأحلام جيل كان يغنى لها ويحلم على صوت منير بأن يأتى اليوم الذى يصنع لبلاده عقد مرمر من ورودها التى لم تطرح رغم مرور السنوات.
توشكى التى تستعد لجولة جديدة ربما تضعها فى مكانها كمشروع قومى تاريخى، تقول نصائح الهزيمة التى كادت تقضى عليها كاملة: كنت ضحية لعصر المصالح والفساد، والظلم، مهما كانت الأحلام كبيرة، والخطط معمولة صح عمرها ما هتطرح فى أرض بور، أو فى نظام بور، ومع الأسف كل أخطاء النظام كانت سبب فشلى حتى الآن، لو عايز تنجح لازم تقدم ده لنظامك من النهاردة.. بلغهم أن النجاح بالإخلاص للبلد.. وأن المحسوبية ولمة العيلة.. ورجال الأعمال الفاسدين.. عمرها ما هتقدم مشروع قومى حقيقى.
موضوعات متعلقة
رويترز: محور قناة السويس خطوة مهمة من قبل السيسى لتحفيز الاقتصاد
السيسى يحيى فكرة الاكتتابات الشعبية لتمويل المشروعات الكبرى..ويعلن طرح أسهم وسندات للبنوك والمواطنين والطلبةلتمويل المشروعات القومية..وخبراء:محور القناة سيحول مصر لمركز تجارى ينافس هونج كونج وسنغافورة
البورصة تحقق أعلى مستوى منذ 6 سنوات.. ورأسملها يتجاوز نصف تريليون جنيه..محمد عمران يؤكد أن الاستقرار السياسى والاقتصادى خلق حالة تفاؤل بين المستثمرين والأيام المقبلة ستشهد اهتماما بالسوق المصرية
مشروعات مصر القومية تبعث رسائلها لـ"محور قناة السويس": القناطر الخيرية: نحتاج عمل دولة مؤسسات..والحفر الأول: متحطش إيدك فى إيد مستعمر.. والسد العالى: حن على أهل مكانك.. ورسالة توشكى: أوعى الشلة
الأربعاء، 06 أغسطس 2014 11:13 م
السيسى خلال حفل تدشين حفر القناة الجديدة