شحن الخديو إسماعيل كل ما يريد حمله فى قطار يتوجه إلى الإسكندرية، استعدادا لشحن "المحروسة " التى ستقله إلى الخارج بعد عزله من حكم مصر، وفى كتابه " تاريخ مصر فى عهد إسماعيل باشا "،يصف مؤلفه " إلياس الأيوبي" مشهد الوداع الأخير منه لمصر،فى مثل هذا اليوم " 30 يونية 1879 "، فبينما سعدت زوجاته وباقى حريمه اللاتى اصطحبنهن إلى منفاه، ودع باقى حريمه الوداع الأخير، ويقال أن حزن السيدات اللواتى تخلى عنهن بلغ مبلغا يفوق التصور، وأنهن فى غضبهن على عدم اصطحابه كسرن عدة أوانى ثمينة ومراءات بما بلغ قيمته 8 آلاف جنيه.
خرج "إسماعيل" من "سراى عابدين" بعد الظهر متوجها إلى المحطة وبصحبته المختارات من نسائه وجواريه وولديه حسن وحسين، وكان ولده إبراهيم فى إنجلترا، وأما فؤاد فكان لا يزال صبيا لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره.
وقفت عربات فى خارج السراى كى تقل السيدات الحريم اللاتى تخلى عنهن، ودوت أصوات ندب وولولة منهن، ولما وصل إلى المحطة عانق ابنه توفيق عناقا أخيرا، وقال له باكيا :" كنت أود يا أعز البنين لو استطعت أن أزيل بعض المصاعب التى أخاف أن توجب لك ارتباكا، على أنى واثق بحزمك وعزمك، فتوص بإخوتك وسائر الأهل برا، واتبع رأى الشورى، وكن يا ابنى أسعد حالا من أبيك ".
التفت "إسماعيل " إلى الحاضرين قائلا :" إنى وأنا تارك مصر، أعهد بالخديو ابنى إلى ولائكم وإخلاصكم "، ثم قبل "توفيق" يد والده واستودعه واستودع إخوته المسافرين معه، ويصف " الأيوبى " هذه اللحظة قائلا :" كان المنظر مؤثرا للغاية، ولم يستطع إلا القليل منع بكائهم " ويضيف :" قام القطار وإذا بمجموعة زغاريد ماجت فى الأفاق مودعة له بتهكم، فاستوقف البحث والاستفهام، وعلم بأنها صادرة من نساء " المفتش " إسماعيل صديق،كنوع من الشماتة فى الخديو المخلوع،ولكن المسالمين اعتبروها ابتهاجا ب"الخديو" الجديد.
بلغ القطار محطة الإسكندرية، ونزل " إسماعيل " ليركب فى عربات مقفولة إلى " الترسانة " ومنها فى زوارق إلى ظهر " المحروسة "، وكانت مكتظة بأصحاب المقامات الرفيعة وكبار الجاليات الغربية الذين جاءوا لتوديعه، وقبل أن يتفجر تأثرا استأذن الحاضرين، وبعد نصف ساعة رفعت " المحروسة مراسيها لتبتعد عن الشاطئ متجهة إلى نابولى حيث سيقيم.
توارت" المحروسة " وتوارى معها الرجل الذى حكم مصر 16 عاما " 1863 حتى 1879 "، واقترن حكمه بمحاولات دؤوبة للنهضة واستكمال مشروع جده " محمد على "،لكن إسرافه المفرط جلب الديون فكانت خنجرا طعنته به الدول الكبرى، وحسب رأى المؤرخ " محمد صبرى السوربونى " فى كتابه " الامبراطورية المصرية فى عهد إسماعيل ":" أراد إسماعيل أن يدير بلدا عظيما هو مصر بعقلية الأمير العظيم وعقلية الصراف فى الوقت نفسه، وبعد 16 عاما من حكمه وصل بديون مصر إلى 2 مليار و250 مليون فرنك فرنسى أى ما يعادل 90 مليون جنيه إسترليني".
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 30 يونيو عام 1879.. الخديوى إسماعيل يغادر مصر إلى منفاه وحريمه يكسرن الأوانى الثمينة ونساء "المفتش" يزغردن ابتهاجا
الإثنين، 30 يونيو 2014 08:02 ص
الخديوى إسماعيل