أظن أننا كلنا نعرف هذا المثل الجميل الذى يحذر من الكلام الحلو ليلاً، ليس بالضرورة وعود الزوج لزوجته، ولا وعود الشاب لمشروع خطيبته، وهو المثل الذى يقول: "كلام الليل مدهون بزبدة، يطلع عليه النهار يسيح"، قياسًا على هذا المثل، وتجنبًا لمثل آخر، وضعتُ مثلاً قد يفيدنا ونحن نختار رئيسنا القادم، المثل الذى وضعته هو عنوان هذا المقال، وأنا أعنى به أن علينا أن نقيّم موضوعية الوعود، والأحلام، والحماس، والكلام، التى يحويها برنامج المرشح، نقيّمها بالواقع، ويا حبذا لو امتلأ هذا الواقع بالأرقام "من أول حجم الديون الداخلية والخارجية حتى الالتزامات حتى عدد السكان حتى نصيبنا فى مياه النيل، وكلها جاهزة بالأرقام....الخ".
ولكى يكون الواقع واقعًا لابد من أن ننظر فى الساعة ونتيجة الحائط بإمعان، لنتأكد أننا "هنا والآن"، وأننا نحترم الكلمة ليست مستقلة عن بعدها الزمنى الملزِم، وأعنى بالزمن هنا ذلك الوقت اللازم تحديدًا لتحقيق البرنامج المعلن، بعد تقسيمه إلى خطوات تصاعدية، تأتى كل خطوة تالية، مبنية على، وأحيانًا نتيجة لـ، الخطوة السابقة، نتعاون جميعًا لتحقيقها، والله شهيد علينا، بغض النظر عن من انتخبناه، أو حتى لو كنا امتنعنا والعياذ بالله.
بدون ذلك يصبح أى برنامج، ولا مؤاخذة "طق حنك"، وقد تجنبتُ الاستشهاد بمثلٍ أقسى، يعد بالفرج لمن ينقذ نفسه بيمين أو وعد أو توبة كلامية.
ليس معنى ذلك أننى أقبل أن يُعفَى أى مرشح من تقديم برنامج محدد، وواضح، وممكن التنفيذ، البرنامج لازم تمامًا مثل لزوم تحديد منهج الدراسة للطالب والمدرس معًا، ومثل الرسم الهندسى بحسابات الخرسانة المسلحة لمبنى شاهق أو كوبرى ممتد، لا يمكن أن يدرس طالب علمًا دون منهج، ولا أن يبنى مقاول صرحًا دون تخطيط هندسى محكم، لكن علينا أن نتحمل المسئولية مع الرئيس الذى يبدأ باحترام وعينا بالواقع، فيقدم لنا برنامجًا من وحى اللحظة، وليس من وحى التاريخ المجيد، ولا من وحى الآمال الطائرة.
كل الناس تعرف إلى أية درجة وصلنا نتيجة تراكم حكم تراجع ذكاؤه تدريجيًا حتى فقد بُعْد النظر، فانهار بهزة شريفة حتى لو شارك فيها غير أهلها، ثم كلنا أيضًا يعرف الثمن الذى دفعناه نتجية فرحتنا وغفلتنا معًا، الأرقام لا تَخفى على أحد، ولن أذكرها تحديدًا فهى ليست من اختصاصى مع أنها تصلنى نارا حارقة، وأى تركيز بعيدا عنها، أو حلول بأرقام أخطر منها مثل الديون أو المنح أو الصفقات على حساب الكرامة والاستقلال، هى خيانة مهما أراحت بعض الناس بعض الوقت سواء كان هذا "المستريح" ناخبًا أو منتَخَبًا!.
البرنامج الذى أنتظره، أو أقبله من المرشح الوطنى الشريف، هو البرنامج المتماسك المرن فى آن، الذى لا يسيح بحرارة المظاهرات ولا بنار الخطب ولا ينهار تحت ضربات الواقع، هو البرنامج الذى يترجم الحلم إلى عمل، ويترجم الشعار إلى مسئولية، ويترجم المظاهرة إلى صلاة إنتاج، ويترجم الغضب إلى طاقة، كل هذه الجمل الإنشائية لا قيمة لها، وأعتقد أن علينا الانتظار -ليس طويلاً- حتى يدخل الفائز إلى لجنة الامتحان اليومى، علمًا بأن وقت الاجابة هو أربع سنوات "وربما ثمانية"، وعلى عكس الامتحانات المألوفة حيث يكون عدد الطلبة كُـثـْر ويكون المراقبون والممتحنون قلة، فإن امتحان الرئاسة فيه الطالب واحد، فى حين أن الممتحِـنِين كثرة، وعلى مستويات متعددة ومختلفة،
وإلى الطالب الناجح، سوف أقدم له -إن شاء الله بعد التهنئة- بيانًا بمستويات وتصنيفات الممتحنين ومحكات التصحيح ليستعد بالمذاكرة، والجد، والاجتهاد.
هذا، علمًا بأن الدروس الخصوصية مسموح بها من الأصدقاء الحقيقيين فقط، كما أن الغش المشروع مباح من البلاد الناجحة الصديقة المستقلة، وأيضًا من البلاد الخبيثة أو المنافسة، ونحن وشطارتنا لو سمحتم.
"الغش المشروع هو الغش الذكى وهو الاستلهام، مع التعديل الثقافى، وليس النقل الحرفى، أو التسول أو الاستجداء".
ربنا يستر!.
يحيى الرخاوى
حتى لا يكون برنامج المرشح "مدهون بزبدة يطلع عليه الواقع يسيح"
الأحد، 11 مايو 2014 11:15 م