جلسة واحدة أو مجموعة حلقات نقاشية متتالية كفيلة بدفعك لاتخاذ قرارين لا ثالث لهما فإما إقناعك بجدوى التجارة الإلكترونية، بعدما تنظر لحال أقاربك وأصدقائك الذين يشبهونك فى وضعك الاجتماعى المتوسط أو المتدنى وتدرك تبدل حالهم فهذا يرتدى ساعة أحدث صيحة، وذاك استطاع فى بضعة أشهر أن ينتهى من تجهيز شقته لاقتراب موعد زفافه، وآخر تحصل على فرصة عمل بعدما أوصدت فى وجهه أبواب كثيرة عرف بعدها أن شهادته التعليمية لم تضف لرصيده العملى فى الحياة شيئا، فتقرر أن تخوض معهم تجربتهم فى عالم التسويق الشبكى، نظرا لحالتك المعيشية الصعبة، أو أن تغمض عينك عن كل هذا وتقرر ألا تنصت لمثل تلك الأحاديث أبدا لأنها تتنافى مع طريقة تحليلك العقلية للأمور.
وقد يتسبب فى اتخاذك للقرار الأخير، مجموعة الأخبار التى تم تداولها مؤخرا فى وسائل الإعلام حول خسارة أشخاص عديدة لأموالهم فى إحدى شركات التسويق الشبكى «جلوبال آد مارت»، من بينهم شخصيات عامة مشهورة وغيرها من الشركات التى تكشف عنها نيابة الأموال العامة من فترة لأخرى، مما أعاد الحديث مجددا حول جدوى تلك الشركات التى ظهرت فى مصر خلال السنوات الأخيرة وزادت عقب الثورة مباشرة فى ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية، مستغلة فى عملها أحلام الكثيرين وأمانيهم بالحصول على راتب شهرى ثابت دون التقيد بوقت محدد أو بذل مجهود كبير لتعكس بذلك علاقة منفعة تبادلية بين الشركة وزبائنها، فالأولى تحقق رواجا لمنتجاتها فى دول خارجية بأسعار تضاعف قيمتها النفعية، والثانى يحقق أرباحا جزئية مقابل المساهمة فى عملية التسويق تلك، وعلى الرغم من قلتها مقارنة بسعر المنتج الحقيقى فى وطنه الأم فإن الزبون هنا يحاول إقناع نفسه بأن حصل على عائد كبير ويكفيه أنه بالعملة الصعبة.
ويعد التسويق الشبكى وسيلة تستخدمها بعض الشركات لإنشاء قوة فى التسويق والمبيعات عن طريق إمكانية الربح للمروجين لمنتجات الشركة من خلال ترويجهم، ليس فقط من خلال المبيعات الشخصية المباشرة، ولكن أيضاً بالنسبة للمبيعات من المروجين الآخرين الذين التحقوا بالعمل عن طريقهم، وخلق شبكة من الموزعين وتختلف طبيعة عمل كل شركة فى هذا المجال، فمنها من يقوم بتحقيق دعاية لمنتجات، ومنها من يقتصر نشاطه على الترويج لعطلات صيفية فى مناطق سياحية وأخرى تقتصر على نشر إعلانات لسلع شركات عالمية بين أكبر عدد من الناس، ويبدأ الدخول فى هذا «البيزنس» من خلال رأس مال لا يقل عن 500 دولار، وهو عادة لا يتناسب مع القيمة الحقيقية للمنتجات المعلن عنها وفقا لرأى خبراء الاقتصاد، وإما أن ينجح الزبون فى الترويج للسلع فيسترد أمواله أو يفشل ولا يحقق رقم التوزيع المطلوب فيخسر هو ومن معه رؤوس أموالهم.
وهذا ما حدث مع «أ، ح» الذى استجاب لدعوة صديق له وشارك فى إحدى شركات التسويق الشبكى للترويج للمنتجات مثل ساعات ومنتجات للطاقة الحيوية أو شراء مجوهرات وباقات العطلات السياحية وتسويقها، وبدأ «أ، ح» فى الشركة منذ ثلاث سنوات برأس مال زاد على 4000 جنيه مصرى تحصل عليها عن طريق الاستدانة من آخرين، واشترطت الشركة أن يتمكن من إقناع اثنين فى دائرة معارفه بتلك المنتجات ليحصل على العمولة الأولى وهى 60 دولار أمريكى ليقوموا بدورهم فى إقناع اثنين آخرين ليحصل على عمولة أكبر وهكذا، ولكن لم ينجح «أ، ح» فى ذلك بسبب الصعوبات التى واجهته نظرا لارتفاع رأس المال مقارنة بأهمية المنتجات المعروضة فكانت النتيجة أنه فشل فى استرداد أمواله هو ومن معه، ويقول: على الرغم من تلك التجربة وما حدث وأننى فشلت فى استرداد أموالى حتى الآن فإن هذه الشركة أقل ضررا مقارنة بشركات أخرى وأولا وأخيرا النجاح أو الفشل يرجع للشخص من وجهة نظرى وقدرته على التواصل وإقناع غيره.
القصة السابقة لا تختلف كثيرا عما رواه «ك، ن» الذى بدأ فى عالم التجارة الإلكترونية منذ أربعة أشهر، عن طريق أحد أقاربه برأس مال 500 دولار أى ما يعادل 3500 جنيه مصرى، من خلال إحدى شركات تسويق الإعلانات، يقول: كأى شاب عندما عُرض على البيزنس وافقت لأنه سيوفر لى راتبا شهريا ثابتا بخلاف عملى الأساسى ورحبت جدا بالفكرة لأنها سهلة فقط أقوم بمشاهدة 5 إعلانات أسبوعية وأحصل على 50 دولارا، وبالفعل بدأت العمل وأقنعت مجموعة من أصدقائى واشتركوا معى ومن خلالهم استرددت أموالى مرة أخرى، وفجأة اكتشفت أن نظام الشركة انهار ولم يصلنا العائد الأسبوعى وبالتالى خسر كل من كان معى. نفس الشىء تعرضت له «ع، م» التى شاركت بمبلغ 12 ألف جنيه هو إجمالى ما ادخرته لأبنائها، فى إحدى شركات تسويق المنتجات ولم تنجح فى استرداد أى شىء، نظرا لعدم تحقيقها للدعاية المطلوبة. ورغم ذلك هناك شباب مشاركون فى حملات الدعاية للشركات يظلون يدافعون عن هذا النوع من التجارة على الرغم من الحوادث التى يتم الإعلان عنها مثل «ل، م» الذى يرى أن الأمر يرجع إلى الممارسات الخاطئة من قبل بعض الأفراد وأن الناس تقوم بتضخيم الأمور، نظرا لأن هذا النوع من التجارة غير مألوف فى مصر ولكنه معترف به عالميا.
محمد أبوالسعود خبير فى التسويق الشبكى يحدد مجموعة قواعد يمكن من خلالها التعرف عما إذا كانت الشركة المعلن عنها تقوم بالنصب والاحتيال على المواطنين أم لا، فيقول: التسويق الشبكى يعتمد على تسويق منتجات من دول جديدة على السوق المصرية، وبالتالى قيمتها الحقيقية تكون غير معروفة والمنضمون لها يحصلون على عوائد أقل بكثير من القيمة المالية المدفوعة «رأس المال» وتحقق الشركات نجاحا أكبر كلما اتسعت دائرة الترويج لمنتجاتها، والفرق واضح بين الشركات العالمية الموثوق فيها التى يمكن الدخول على شبكة الإنترنت وجمع المعلومات عنها والشراء عبر مواقعها الإلكترونية والشركات الأخرى مجهولة الهوية، والأمور التى يجب أن تؤخذ فى الاعتبار قبل الدخول فى هذا النوع من التجارة أولا أن يدرك الشخص مقدار الربح الذى سيعود عليه عند عرض البيزنس عليه ويقارنه برأس المال المدفوع، ثانيا أن يعرف قيمة المنتج وعما إذا كان هناك إقبال عليه فى المجتمع الذى يتم الترويج عنه فيه أم أنه غير مألوف أو لا يمثل احتياجا أساسيا لهم، فبمجرد أن يعرف ذلك يعلم جيدا إن هذا «نصب». الدكتور محمد موسى، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر يتحدث عن خطورة هذا على الاقتصاد المصرى قائلاً: يمكن لأى شخص أن يدخل على المواقع الإلكترونية لكبرى الشركات العالمية المعروفة ويقوم بشراء أى منتج ويصل إلى منزله، ولكن المشكلة فى الجانب الأخلاقى فى تلك التجارة وانتشار النصب فيها، وانتشارها فى الفترة الأخيرة مأساة من وجهة نظرى وينبغى على الدولة أن تتدخل لوقف مثل تلك الممارسات، خاصة أنها تؤثر سلبيا على الاقتصاد المصرى أولاً: لأنها تقلل من قيمة الجنيه مقابل رفع سعر الدولار للإقبال عليه وشرائه وأيضاً سحب مدخرات الأفراد فى البنوك للمشاركة بها، وبالتالى يؤدى هذا إلى قلة الاستثمارات وأتمنى من وزير المالية الحالى أن يتبع سياسة زيادة المدخرات من خلال رفع سعر الفوائد على الودائع.
فخ «البيزنس الإلكترونى» يصطاد..ضحايا التسويق الشبكى خسروا أموالهم فى وهم «المرتب الثابت» بأقل مجهود
الخميس، 16 مايو 2013 06:39 م
صورة أرشيفية