فوزى الشامى

حتمية المد الثقافى والفكرى

الجمعة، 15 نوفمبر 2013 05:04 م


نحن فى احتياج شديد إلى البدء فى وضع أسس حياتية جديدة، تطلعا إلى غد أفضل يتحقق فيه حلم العدالة الاجتماعية والحرية والحياة الكريمة فى ظل ديمقراطية حقيقية، لا تمنحها الحكومات، بل تتولد من رحم الشعوب والمجتمعات، فالحاجة إليها ضرورية، ليس فى حياتنا السياسية والاجتماعية فحسب، بل فى مناحى كثيرة، منها الثقافية والفكرية والمعرفية، وهذا ما يدفعنا إلى ضرورة التكاتف لوضع تصور لمشروع قومى لتطوير المنظومة الثقافية ووضع فلسفة جديدة لها، على أن يساهم هذا المشروع فى تحقيق هذا النوع من الديمقراطية، وأرى أن يكون مبدأ انطلاقه، ما تناوله المفكر والفيلسوف زكى نجيب محمود فى كتابه "فى تحديث الثقافة العربية" حيث قال (إن هناك ثقافة تحرك صاحبها إلى عمل، وآخرى تميل بصاحبها نحو ركود بليد، وإن بدا فى ظاهر الأمر كما لو كانتا متشابهتين، وضرب لهذا مثلا فقال: رجلان تقابلا بعد أن فرقت بينهما الأيام، فقال أحدهما للآخر: الحمد لله أن رأيتك، ثم أردف قائلا: إن شيئا من الغبار علق على ثوبك عند الكتف.. فهذان قولان: أما أولهما فلم يكن فيه ما يحرك سامعه إلى فعل يؤديه، حتى وإن أشاع فى نفسه السرور، وأما القول الثانى فقد استجاب له سامعه استجابة سريعة، بأن أخذ ينفض عن ثوبه الغبار الذى قيل له أنه علق به، فلو أننا وسعنا نطاق المثل الأول لنجعله نموذجا لثقافة شاملة لجوانب الحياة كلها عند شعب معين فى عصر معين، لوجدنا الحاصل بين أيدينا شعبا لا يجد فى نفسه دافعا يحفزه.

إلى عمل يؤديه حتى وإن أحس فى دخيلة نفسه بسعادة المطمئن القانع الراضى، وأما إذا وسعنا نطاق المثل الثانى ليشمل المناخ الثقافى كله عند شعب معين فى عصر معين، رأينا صورة آخرى، هى صورة شعب يدأب
كل فرد من أفراده على فعل ينجزه).

ولأن ثقافة الحركة هذه هى التى تدفع إلى الفعل، وهذا ما يحتاجه مجتمعنا اليوم، لهذا علينا أن نجعل فى هذا المشروع أن تكون ثقافة الحركة هى المنهج الرئيسى فى البناء وفلسفته التى تدعو إلى السير فى طريقين يحققا معا ديمقراطية الثقافة هذه، شريطة المداومة المستمرة والتواصل الدائم، الطريق الأول هو تحفيز الشباب فى كل مكان على أرض مصر ودفعه بصورة دائمة إلى ممارسة النشاط والفعل الثقافى واستفزاز مواهبه واكتشافها، مهما كانت ضآلتها لتنميتها وثقلها علميا ليتمكن من التعبير عن إبدعاته، وثانيهما هو العمل على توصيل المنتج الثقافى ونشره بشكل دائم ومستمر لإشاعة الاستنارة بين الشباب فى كل أرجاء مصر، وبذلك تتحقق ديمقراطية الثقافة بسد الفجوة الثقافية بين من يتمتعون بها فى العاصمتين فقط ومن لا تدركهم فى بقية أرجاء الوطن.

من المؤكد أن تربية الوعى الثقافى والفكرى ورعاية المواهب الإبداعية لدى النشء والشباب تشكل شخصياتهم وتسمو بها عن روح العنف واتجاهات التطرف التى نراها اليوم، فتهذيب النفس ورقى الحس الإنسانى، كانتا منذ القدم مرتبطتين بالتربية الدينية، كما أنهما ترتبط بشكل ما بالتربية الثقافية والأدبية والفنية وبالروح الإبداعية، وما أحوج أبنائنا إلى هذه القيم فى هذه المرحلة التى يمر بها الوطن، حيث تجتذب بعضهم تيارات متعددة توجه طاقاتهم فى اتجاه العنف والتطرف.

ولو رجعنا إلى بحوث العلماء وآراء المتخصصين، لوجدنا فيها إجماعا على أن الشباب الذى تنمى مواهبه الإبداعية انطلاقا من قاعدة عقائدية إيمانية، مهما كانت ضآلة تلك المواهب، يكتسب حصانة ضد الانحراف أو التطرف، وتساعد على إعمال عقله للاشتراك فى الرأى وتكوين وجهة نظر وتعميق إحساسه بمشاكل وقضايا وطنه وبلاده... لذا فنحن فى حاجة إلى مجموعة من الرؤى نحيلها إلى مشروع قومى لبناء الإنسان.

أرى أنه لتحقيق هذا الحلم ضرورة البدء بمحورين رئيسيين:
الأول هو مشاركة العناصر التالية لعمل الدراسة تتمثل فى خبراء فى مجال التخطيط الثقافى وعلماء وأدباء ومفكرين وأساتذة من الجامعات وفنانين وإعلامين ومتخصصين فى الحرف البيئية والفنون الشعبية وثقافة النشء والطفل والخبراء فى العلوم الإنسانية والاجتماعية والتربوية والتنمية البشرية وأصحاب الرؤى من الشباب يمثلون كل بقاع مصر، ورجال الأعمال والجمعيات الأهلية وجمعية الاقتصاد السياسى والتشريع والجمعية الجغرافية والجمعية التاريخية ومراكز الدراسات والبحوث.. إلخ.

أما المحور الثانى هو رصد الواقع الثقافى وعمل مسح شامل من خلال آليات ومجموعات عمل متخصصة لجمع المعلومات والبيانات والإحصائيات والقوانين واللوائح الإدارية والتنظيمية والمالية والبرامج والتشريعات الثقافية لتدارسها، مع الحرص على أن يشمل هذا الرصد الفترة منذ تأسيس المجمع العلمى فى زمن الحملة الفرنسية ثم إنشاء مصر الحديثة على يد محمد على بمؤسساتها التعليمية مرورا بكل المؤسسات الثقافية الأهلية والحكومية مثل مصلحة الآثار ودار الأوبرا الخديوية والدفتر خانة العمومية والكتبخانة المصرية (دار الكتب) وتياترو حديقة الأزبكية (المسرح القومى)، ومجمع فؤاد الأول للغة العربية وإدارة الثقافة بوزارة المعارف العمومية وإدارة الرشاد بوزارة الشئون الاجتماعية لرعاية المسرح والسينما والراديو، حتى إنشاء وزارة الإرشاد القومى، ومصلحة الفنون ومركز الفنون الشعبية والمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ووزارة الثقافة والإرشاد القومى والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب (المجلس الأعلى للثقافة)، فقراءة التاريخ ضرورة ملحة فى حاضرنا وأيضا هى فرصة للاستفادة من إحياء ذاكرة الوطن الثقافية.

إنه مشروع يحتاج إلى دراسات تفصيلية تدقيقية وإعداد طويل وعقول بشرية، وإمكانات وقدرات، والأهم هو التفاف الأيدى وتجميع الجهود المتناثرة لبدء عمل الدراسة والجرأة والشجاعة فى التنفيذ، لا عقد مؤتمرات ثقافية جوفاء لا تغنى ولا تسمن من جوع.

* أستاذ بأكاديمية الفنون- عميد الكونسرفاتوار سابقا.



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة