تثير قضية العمل يوم الأحد جدلا اجتماعيا واسعا هذه الأيام فى الداخل الفرنسى، حيث شهدت شوارع باريس الأسبوع الماضى عدة وقفات احتجاجية نظمها مئات العمال الفرنسيين للمطالبة بمنحهم حق العمل الإضافى يوم الأحد، مؤكدين أن العمل أيام العطلة يوفر لهم دخلا أعلى خاصة فى ظل ارتفاع معدلات البطالة فى البلاد.
وتصاعدت هذه القضية خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد إصرار بعض المحلات التجارية الكبرى على فتح أبوابها رغم صدور قرار قضائى يمنع ذلك فى السادس والعشرين من سبتمبر الماضى، وهو الأمر الذى زاد من حالة الاستياء الشعبى وأدى لخروج عدة مظاهرات تطالب بحقها فى العمل يوم الأحد.
وفى محاولة لاحتواء الأزمة بعد اتهامها بالعجز عن التعاطى معها بجدية، كلفت الحكومة الرئيس السابق لخدمات البريد، جون بول بايلى، نهاية الشهر الماضى بمهمة دراسة مختلف الجوانب القانونية المتعلقة بالعمل يوم الأحد، والتركيز على نقاط الضعف فى النص القانونى الحالى، وتسليط الضوء على دوافع العاملين والمحلات التجارية فى العمل يوم العطلة الرسمية، فضلا عن تقديم مقترحات وحلول فعالة للحكومة فى هذا الشأن، وذلك قبل نهاية شهر نوفمبر القادم.
وأكد وزير العمل الفرنسى، ميشيل سابان، أنه لن يتم المساس بقاعدة "الراحة الأسبوعية" مشددا على أنها قاعدة أساسية لحماية العاملين والحافظ على التماسك الاجتماعى فى الوقت ذاته.
وأوضح سابان أن مهمة بايلى لا تقتصر فقط على قضية العمل يوم الأحد، ولكنها تركز بالأساس على كيفية وضع نهاية لعدم التوافق بين الأدوات التشريعية والقانونية المستندة إلى قانون عام 2009 والذى أكد على "مبدأ الراحة يوم الأحد مع الإقرار بوجود استثناءات فى الأماكن العامة والسياحية وفى بعض المدن الكبرى للعاملين المتطوعين".
ويبدو مما سبق أن مهمة بايلى الرئيسية ستركز على كيفية تحقيق التوافق بين تطلعات المستهلكين واحترام حقوق العاملين، خاصة الحق فى الحصول على الراحة الأسبوعية، كما ستسعى إلى الوصول لحلول لتحقيق التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية.
وأوضحت آخر استطلاعات الرأى التى أجرتها مؤسسة "بى فى إيه" الفرنسية أن 43% فقط من الفرنسيين يوافقون على العمل يوم الأحد فى مقابل 56% معارضين. وعلى الرغم من ذلك أظهر نفس الاستطلاع أن 63% من المستطلعة أرائهم يوافقون على العمل يوم الأحد إذا قدم إليهم مقابلا مجزيا مثل وجبة إضافية أو أجر مضاعف.
كما أوضح الاستطلاع أن 69% من المستطلعة أرائهم يؤيدون فتح المحلات التجارية يوم الأحد فى مقابل 31% معارضين للفكرة.
وطالبت مجموعة كبيرة من النقابات، ومنها الكونفيدرالية العاملة للعمل والمعروفة باسم "سى جى تى"، بضرورة إصدار تشريع جديد يقدم إطارا مشتركا للعمل يوم الأحد ويكون ناتج عن مشاروات بين الدولة ونقابات العاملين ونقابات أرباب العمل وذلك كبديل عن قانون 2009.
ويرى المراقبون أن العمل يوم الأحد لا يعد أمرا استثنائيا فى فرنسا فهناك بعض المهن التى تواصل عملها بشكل دائم فى أيام العطل الرسمية، مثل القائمين على الأمن العام وقطاع الصحة أو العاملين فى المطاعم والأماكن الترفيهية أو السياحية. ووفقا للإحصاءات، فإن واحدا من كل ثلاثة موظفين يعملون يوم العطلة بشكل منتظم أو غير منتظم، ويتركز ذلك بالأساس فى القطاعات الحيوية مثل قطاع الصحة وقطاعات الطوارئ والقطاع الزراعى والتجارى. وأوضحت الإحصاءات أن 95% من رجال الشرطة يعملون الأحد بشكل منتظم أو غير منتظم، و92% من رجال الإطفاء و70% من الأطباء وأكثر من 90% من الممرضين، هذا بالإضافة إلى سائقى المواصلات ومضيفات الطيران والعاملين بالمطاعم والذين يندرجون أيضا فى إطار الفئات محرومة من التمتع بالراحة الأسبوعية.
ويؤكد هذا الفريق من المراقبين أن مطالبة العاملين بالسماح لهم بالعمل يوم الأحد يرجع لعدة أسباب مثل القدرة على دفع مصاريف الدراسة، أو زيادة الدخل، أو تعويض ساعات العمل خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التى تمر بها البلاد. وفى أحيان كثيرة يكون أيضا مطلبا للمستهلكين الذين يحتاجون يوما آخر غير السبت لاستكمال شراء متطلباتهم الحياتية.
ومع ذلك يقر المراقبون بأن تقنين العمل يوم العطلة الرسمية هو أمر غاية فى الصعوبة ولايحظى بإجماع داخل المجتمع الفرنسى، خاصة فى ظل وجود تفاوت كبير فى الأجور بين العاملين فى القطاعات المختلفة، وهو ما قد يجعل العمل يوم الأحد فى كثير من الأحيان أمرا إجباريا وله أثرا سلبيا على الحياة الشخصية والأسرية للعاملين.
من ناحية أخرى، يذهب فريق آخر من المراقبين، ومنهم المحلل الفرنسى جاك بيشو، للقول بأن هذا الأمر يرتبط بحقيقة هامة هى أنه لا ينبغى للدولة أن تتحكم فى الحياة اليومية للمواطنين لهذه الدرجة، ففى دولة حرة مثل فرنسا ينبغى أن تكون حرية العمل وحرية فتح المؤسسات هى القاعدة العامة ومنعها هو الاستثناء. ويشير هذا الفريق إلى أن هناك شريحة كبيرة من المواطنين ستسعد عندما تجد جميع الخدمات والمطاعم ووسائل المواصلات والترفيه مفتوحة يومى السبت والأحد، وهو ما يكشف وجود نوع من التكامل بين إرضاء المستهلكين ورغبة العاملين فى العمل الإضافى يوم العطلة الرسمية وعدم حدوث أى تعارض بينهما.
وما يمكن أن نخلص إليه هنا هو أن المهمة التى أسندت إلى بايلى تعد غاية فى الأهمية لأنه مخول بوضع حد لهذه المشكلة الاجتماعية المتصاعدة وحسم الجدل القائم وتقديم مقترحات فعالة للحكومة لاحتواء الأزمة.
ومن المرجح أن تبدى الحكومة مرونة أكثر فى قانون العمل لكى تساعد فى خلق فرص عمل جديد والمنافسة على المستوى العالمى لاسيما فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة للبلاد والتى تهدد بالتأثير سلبا على حظوظ الحزب الاشتراكى الحاكم فى الانتخابات القادمة.
"عطلة الأحد" تثير جدلا اجتماعيا فى بلد الحريات
الأربعاء، 09 أكتوبر 2013 01:31 م
شوارع باريس أرشيفية