نشرت صحيفة gulf daily news الصادرة فى البحرين منذ عدة سنوات رسالة من السيدة "فليتوود" التى ذهبت للمحكمة الشرعية لأمر خاص لم تشأ الإفصاح عنه، وكانت تأمل أن ينظر القاضى فى قضيتها بتجرد تام، ولكن ما واجهها أمر لم يخطر على بالها.
أخذت السيدة فليتوود إجازة من عملها وحضرت فى الموعد المحدد من المحكمة حيث كان مقررا وقت الجلسة الساعة التاسعة والنصف صباحا. بعد قليل لاحظت أن موعد جلستها قد تم تجاوزه وأن هناك أشخاصا يتم تقديمهم عليها.
قالت إنها قد اعتادت على مثل هذا السلوك فى البحرين، أن يأخذ الناس دور غيرهم، ولكن أن يتم فى محكمة يفترض أن تقيم العدل فهو أمر غير مقبول، فى الساعة الحادية عشرة لم تستطع تمالك نفسها خاصة بسبب النظرات المريبة بعض الشىء من حاجب المحكمة كلما كان ينادى اسماً جديداً للدخول على القاضى.
عندها طلبت من ابنها أن يسأل عن سبب تأخر استدعاء القاضى لها. كانت المفاجأة أن القاضى منعها من الدخول بسبب عدم لبسها الحجاب. السيدة قالت فى رسالتها إنها لم تعد واثقة أن القاضى سينصفها بعد أن علم بأنها غير محجبة ورفض استقبالها، وأضافت أن حاجب المحكمة قال لها بأن القاضى شديد التدين، وأضاف بأنه فيما يتعلق بموقفه من النساء فهو أسوأ من تنظيم القاعدة.
إننا نرى على واجهات المحاكم صورة لامرأة تمسك بميزان لا يميل وهى معصوبة العينين كرمز للعدالة، على اعتبار أنها تنظر للقضية ولا ترى المتقاضين، أيا كان جنسهم أو ديانتهم أو درجة حبهم أو كراهيتهم.. وفى إسلامنا جعل الله سبحانه (العدل) من أسمائه الحسنى، وقد أولى القرآن الكريم قضية العدل أعظم اهتمام، وساق لنا قصة فى غاية الروعة وملخصها: أن رجلا من الأنصار سرق درعا من أنصارى وحينما اكتشف صاحب الدرع ذلك ذهب لرسول الله وشكى له، فما عرف بذلك اللص أراد أن يتفادى العقوبة فألقى الدرع فى بيت يهودى كى تلحق التهمة به وأرسل نفرا من أهله لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتبرئته من التهمة فعاتب النبى (صلى الله عليه وسلم) صاحب الدرع باعتبار أنه أتهم الأنصارى (السارق) بلا تثبت ولا بينة.. فنزلت الآيات من سورة النساء ( 105: 113) لتحقق ميزان العدل و تبرئ اليهودى المظلوم.
قال صاحب الظلال (رحمه الله) فى تعليقه على الآيات:
" فى الوقت الذى كان اليهود فيه ينشرون الأكاذيب : ويؤلبون المشركين : ويشجعون المنافقين ويرسمون لهم الطريق ويطلقون الشائعات، ويضللون العقول، ويطعنون فى القيادة النبوية ويشككون فى الوحى والرسالة، ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل ويؤلبون عليه خصومه ليهاجموه من الخارج، والإسلام ناشىء فى المدينة، ورواسب الجاهلية ما يزال لها آثارها فى النفوس ووشائج القربى والمصلحة بين بعض المسلمين وبعض المشركين والمنافقين واليهود أنفسهم تمثل خطرا حقيقيا على تماسك الصف المسلم وتناسقه، فى هذا الوقت الحرج الخطر، الشديد الخطورة، كانت هذه الآيات كلها تتنزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعلى الجماعة المسلمة لتنصف رجلا يهوديا اتهم ظلما بسرقة ولتدين الذين تآمروا على اتهامه وهم بيت من الأنصار فى المدينة !!.. والأنصار يومئذ هم عدة الرسول(صلى الله عليه وسلم) وجنده فى مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله ومن حول الرسالة والعقيدة الجديدة، أى مستوى هذا من النظافة والعدالة والتسامى، ثم أى كلام يمكن أن يرتفع ليصف هذا المستوى، وكل كلام وكل تعليق وكل تعقيب يتهاوى دون هذه القمة السامقة التى لا يبلغها البشر وحدهم بل لا يعرفها البشر وحدهم إلا أن يُقادوا بمنهج الله إلى هذا الأفق العلوى الكريم الوضىء .
ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث أو عدم التشديد فيه والتنديد به وكشفه هكذا لجميع الأبصار بل فضحه بين الناس على هذا النحو العنيف المكشوف كان هناك أكثر من سبب لو كانت الاعتبارات الأرضية هى التى تتحكم وتحكم، ولو كانت موازين البشر ومقاييسهم هى التى يرجع إليها هذا المنهج إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة برىء تآمرت عليه عصبة لتوقعه فى الاتهام وإن كانت تبرئة برىء أمرا هائلا ثقيل الوزن فى ميزان الله إنما كانت أكبر من ذلك كانت هى إقامة الميزان الذى لا يميل مع الهوى ولا مع العصبية ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أيا كانت الملابسات والأحوال.
ومن ثم لم يكن هناك مجال للباقة ولا للكياسة ولا للسياسة ولا للمهارة فى إخفاء ما يحرج وتغطية ما يسوء.. ولم يكن هناك مجال لمصلحة الجماعة المسلمة الظاهرية ومراعاة الظروف الوقتية المحيطة بها، هنا كان الأمر جدا خالصا لا يحتمل الدهان ولا التمويه، وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الربانى وأصوله وأمر هذه الأمة التى تُعد لتنهض بهذا المنهج وتنشره، وأمر العدل بين الناس العدل فى هذا المستوى الذى لا يرتفع إليه الناس بل لا يعرفه الناس إلا بوحى من الله وعون من الله، وينظر الإنسان من هذه القمة السامقة على السفوح الهابطة فى جميع الأمم على مدار الزمان فيراها بعيدا فى السفوح، ويرى بين تلك القمة السامقة والسفوح الهابطة صخورا متردية هنا وهناك، من الدهاء والمراء والسياسية والكياسة والبراعة والمهارة ومصلحة الدولة ومصلحة الوطن ومصلحة الجماعة، إلى آخر الأسماء والعناوين".
نحن نريد عدالة فى دستورنا لا تفرق فى الخدمات (طرق ومدارس ومستشفيات..إلخ) بين حى راق وحى شعبى، نريد عدالة فى قضائنا لا تفرق بين حاكم ومحكوم ولا بين غنى وفقير.. نريد عدالة فى مدة التجنيد بين المتعلم والأمى.
لقد انتحر شاب مصرى (فى زمن مبارك) كان قد تخرج بتفوق من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ورفضت وزارة الخارجية تعيينه لأنه (غير لائق اجتماعيا) فتحطمت معايير الكفاءة والعدالة، ورأينا خريجين حصلوا على درجات أقل من أقرانهم (لكنهم أبناء السادة) فتم تعيينهم فى النيابة والخارجية والجامعة والجيش والشرطة.
نريد عدالة (عمياء) ترى الحق، وترى القضية بنور البصيرة دون أن ترى المتقاضين بنور العين فتميز بينهم.
نتطلع فى مصرنا إلى يوم نرى فيه (توخيا للعدل) من يختلف مع أهله أو حزبه أو جماعته أو يختلف حتى مع بنى دينه انتصارا لأتباع ديانة أخرى (إن كان الحق معهم)؟ دون أن يكترث البتة بانتمائه من أجل إقامة ميزان العدل.
صورة أرشيفية