يبدو من ظاهر الأحداث التى تمر بها مصر منذ 25 يناير «2011» ثم من 30 يونيو الماضى، بداية الجمهورية الجديدة، أننا نعيش فى دوامة لا يبدو لها انحسار فى الأفق القريب.
ولعل أسبابها تعود إلى أن الذين فجروا الثورة ظهر الخامس والعشرين من يناير لم يتسلموا الحكم وظلوا فى الميادين يرفعون شعار «الثورة مستمرة»، بينما وقع الحكم فى أيدى عناصر لم تكن فى قلب الثورة وهم الجماعات الإسلامية الذين بسطوا سيطرتهم على كافة السلطات بما فيها رئاسة الدولة، فيما أصبح يعرف بسرقة الثورة من أصحابها الحقيقيين.
وفى هذا الخصوص لا يصح القول بأن هؤلاء الذين سيطروا على أداة الحكم جاءوا عن طريق انتخابات «حرة ونزيهة وشفافة»، أو القول بأن الجمهورية الجديدة ورثت أعباء ثقيلة تراكمت عبر السنين ولا يمكن التخلص منها بين يوم وليلة...إلخ، فمثل هذه الأقوال تعد من قبيل التبرير والتماس الأعذار ولا تحل المشكلات. ومما يساعد على استمرار حالة الدوامة أن السلطة الجديدة لم تتحرك خطوة فى سبيل تحقيق أى من مبادئ الثورة وشعاراتها وخاصة مبدأ العدالة.
ترى ما الذى يجعل الحكم الجديد عاجزا عن إدارة شؤون المواطنين بما يحقق العدل والمساواة بينهم ودون انحيازات من أى نوع. هناك من يقول إن الولايات المتحدة قائدة النظام العالمى الجديد Neo Imperialism «الرأسمالية المتجددة» تضغط على الإدارة المصرية لاستبقاء نظام الاقتصاد الحر المتمثل فى آلية السوق والعرض والطلب. وفى هذه الحالة يكون الضغط قد صادف أهله لأن الجماعة الإسلامية الحاكمة والمؤيدة هم أصحاب رؤوس أموال ومشروعات كبيرة ولا يهمهم فى قليل أو كثير مبدأ العدالة والمساواة، ذلك أن رأس المال لا وطن له ولا ملة ولا دين إلا الربح.
ولكن يضاف إلى عامل الضغط الخارجى عامل داخلى أكثر أهمية، ويتمثل فى عدم كفاءة الحكم الجديد فى تناول الأمور، ذلك أن الذين يحكمون مصر الآن قد يتمتع كل منهم بكفاءة علمية فى تخصصاتهم الأكاديمية الدقيقة، لكنهم لا يتمتعون بالكفاءة المناسبة لإدارة شؤون وطن يضم طبقات اجتماعية مختلفة وطوائف مذهبية متناقضة كل منها يتربص بالآخر، ورئيس الجمهورية مشغول بتثبيت أركان حكمه، ويختار من يشيد به فى أى مناسبة عارضة ويمنحه وساما أو قلادة أو إفراجا من السجون والمعتقلات بمقتضى معايير ذاتية وليست موضوعية، فضلا عن حرصه على التأكيد دوما بأنه الرئيس المنتخب مما يعكس حقيقة شعوره الباطنى بحقيقة الانتخابات.
إن صحة الحكم وسلامته لا يتأتى إلا من السلام الاجتماعى الذى يصنع التماسك الوطنى، ولا يتحقق إلا بإقامة الدولة «الكفيلة» التى ترعى المصالح دون مظاهرة أو وقفة احتجاجية. أما الانحيازات التى تتجاوز الصالح العام فمن شأنها أن تبقى حالة الدوامة والتوتر قائمة. وهنا أتذكر عبدالرحمن وحيد أستاذ الفقه الإسلامى ورئيس جمعية نهضة العلماء فى إندونيسيا والذى انتخب رئيسا للبلاد فى 20 أكتوبر 1999 بعد الإطاحة بحكم الرئيس سوهارتو العسكرى الذى ظل قائما لمدة 32 سنة فالرئيس وحيد لم يبق فى السلطة إلا أقل من عامين حين طرده البرلمان من الحكم «23 يوليو 2001» وسط اتهامات بعدم الكفاءة فى مواجهة الأزمة الاقتصادية، وتطاحن بين العقائد تمثل فى الاعتداء على كنائس «عام 2000» حتى لقد انفصلت جزيرة تيمور الشرقية والتى ثلاثة أرباعها مسيحيون عن الدولة الأم بدعم أمريكى. وخشية من مصير كهذا يردد المصريون الدعاء الأثير لديهم «ربنا يولى من يصلح»، ولو أنى أرى أن يكون الدعاء «ربنا يصلح من يولى».