تمتلئ الساحة السياسية حاليا بحالة من الصخب والضجيج بين المتربصين ونقدهم من ناحية وتبريرات المؤيدين ودفاعهم الأعمى من الناحية الأخرى، وذلك عما حققه د. مرسى خلال المائة يوم من الوعود التى وعد بها.
وإحقاقا للحق أنه بصرف النظر عن أن ظاهرة نقد الحاكم ومحاسبته أحد المكاسب التى أفرزتها لنا ثورة 25 يناير وأنها من أهم الأطر الخاصة بالممارسة الديمقراطية إلا أنه من الظلم أن يحاسب الرجل على ما قدم خلال المائة يوم لحل مشاكل تراكمت منذ ثلاثة عقود على الأقل، وأن نطالبه بحلها فى ثلاثة شهور وخصوصا أن معظم تلك الفترة انشغل الرئيس فى حسم الصراع على السلطة مع المجلس العسكرى والذى شاركه فيها فى الشهور الأولى وقضى بعضها الآخر فى البحث عن تشكيل وزارى يدفع عنه تهم المعارضين فى أنه يسعى لأخونة الدولة، كما أن مشكلات مثل المرور والنظافة تحتاج إلى وقت أطول بكثير من المائة يوم واكتمال لمؤسسات الحكم التى لم تكتمل حتى الآن فوعود مرسى فى المائة يوم لا تتعدى كونها دعاية انتخابية مارسها غالبية المرشحين لكسب تعاطف الناس ومغازلة صوتهم الانتخابى دون وضع أدنى الأسس أو الآليات الحقيقية لتطبيقها وتحقيق تلك الوعود،
والحقيقة أن ما أضاع مرسى فى المائة يوم أكبر بكثير من وعود النظافة والمرور فما أضاعه مرسى هى الفرص التاريخية النادرة التى أتاحتها الثورة لتعديل سياسات مصر وانحيازاتها فى الداخل والخارج.
فبالنظر إلى ملامح السياسة الخارجية فإن الرئيس بدلا من أن يستغل الظرف التاريخى الذى خلقته الثورة وفرصته النادرة كأول رئيس منتخب ديمقراطيا فى إعادة رسم سياسة خارجية مستقلة تنحرف عن الدوران فى فلك السياسة الأمريكية بإعادة صياغة علاقات مصر الخارجية، بحيث تصبح علاقات متوازنة تمد جسور التواصل والثقة مع الشرق المعارض للهيمنة الأمريكية إيران والصين وروسيا نراه يذهب إلى الإيرانيين فى عقر دارهم بخطاب يزيد مساحة الاختلاف ويصب فى مصلحة الاستقطاب السنى الشيعى ولا يختلف كثيرا عن الخطاب المباركى، ولا يسعى إلى بناء محور مصرى إيرانى تركى يستطيع بلورة حلول لمشاكل المنطقة وأولها القضية الفلسطينية والسورية بعيدا عن التدخل والسيطرة الأمريكية
أما فى مجال السياسة الداخلية فبدلا من اتخاذ سياسات اقتصادية تنحاز للفقراء والمهمشين واستغلال الظرف الثورى فى إعادة رسم سياسة اقتصادية عادلة بإقرار حد أدنى وأقصى للأجور وفرض ضرائب تصاعدية، وإعادة الشركات المنهوبة لأحضان الدولة نراة يقف أمام أحكام القضاء بإعادة تلك الشركات وينتهج نفس سياسات للحزب الوطنى القائمة على الاقتراض والانحياز للأغنياء.
أما فى مجال السيادة الوطنية فإن مرسى لم يستغل ما فرضته الظروف فى أعقاب ما تم تجاه الجنود المصريين فى سيناء، بأن يقوم ببسط السيادة المصرية على سيناء وأن يبقى على القوات المصرية التى دخلت سيناء فى أعقاب تلك العملية ويخلق أمر، واقع جديد يتم من خلاله إعادة التفاوض بشأن الملاحق الأمنية لكامب ديفيد بما يمهد خلق وضع جديد فى سيناء ويمهد الطريق أمام إعادة إعمارها وتلافى القصور والإهمال الذى شاب فى الماضى العلاقة بين الدولة وأهل سيناء.
إن ما أضاعه مرسى من فرص تاريخية أكبر بكثير من مجرد وعود لحل مشاكل الوقود والنظافة، لأن حل مشكلات الداخل لن ينفصل أبدا عن حل مشكلات الخارج وإعادة رسم سياسة استقلال وطنى جديدة.
عضو المكتب السياسى لحزب مصر القوية