قبل ثورة 25 يناير ومنذ زمن طويل جداً يداعب البعض حلم الثراء السريع وتحقيق الغنى بخبطة واحدة حتى ولو كان ذلك بالسرقة أو الرشوة - فلا شىء يهم- ما دامت النتيجة هى الحصول على المكسب الكبير والأبهة وركوب السيارات وتدخين السيجار أو البايب، وتوديع حياة البؤس والضنى والشقى ولبس الحرير فى حرير، ثم التوبة بعد ذلك وغسل الأموال وغسل السمعة بأى مسحوق غسيل موجود فى الأسواق أو مستورد.
ولم تسلم آثارنا من موجة السرقات سواء كانت موجودة فى المتاحف أو فى المخازن أو تحت الأرض، ومن تلمظ الكثيرين من المواطنين المصريين أو الأجانب لينالوا من الحب الفرعونى جانبا لتحقيق جزء من أحلامهم أو كلها بغمضة عين أو فركة كعب إلى متحف أو مخزن فى ظل حالة اللأمن. وإذا كانت دول الخليج وبعض الدول العربية مثل ليبيا تعوم على بحار من النفط والغاز فإن مصر ترقد على أنهار من الآثار وسبائك من ذهب الأقدمين التى يسال لها لعاب من فى الداخل والخارج، فهذه الثروة التى لا تقدر بثمن لا تجد الآن من يحميها من عبث الكبار والصغار، ولا تجد رادعا من قانون مغلظ ينزل بسيفه على رقبة كل من يستبيح حرمة آثارنا ويأتى به لينال عقابه أمام الجميع وفى ميدان عام، ليرتدع من كان فى قلبه مرض السطو على التماثيل والتمائم، أو مصاب بمرض الحفر تحت الأرض ليكون عبرة وعظة لمن ينتهكون حرمة الموتى من أجدادنا وحرمة كنوزهم بمعاونة المشايخ ومحضرى الجن والعفاريت.
وكثيراً ما قابلت العديد من الشباب المهووسين بحكاية البحث عن الآثار عن طريق الاستعانة بمشايخ مغاربة وسودانيين يعتبرون أساتذة ومعلمين فى السحر وخاصة سحر الآثار الفرعونية بالذات، وقبلها البحث والحصول على سائل "الزئبق الأحمر" الذى يوصى به هؤلاء لتسهيل خروج كنوز الفراعنة من تحت الأرض، وكم من شخص خسر تحويشة عمره أو خسر منزل أسرته بعد انهياره من جراء الحفر أو تورط فى أعمال قتل نفوس بريئة يقدمها قربانا لحراس الكنوز من الجن والعفاريت، كل ذلك من أجل وهم إخراج كنز فرعونى معتبر يجعله فى مصاف الأثرياء وأصحاب الثروات.
وندعو الله أن يكون فى عون الدكتور زاهى حواس أو أى وزير للآثار من الأعباء الملقاة على عاتقه، فمن يأتى سيكون فى رقبته حمل ثقيل يجب أن يكون على قدر هذه المسئولية، مع إعانته عليها من الوزارة بحراس أمناء للمتاحف والمخازن المنتشرة فى البلد يعرفون قيمة ما فيها. والعمل على تغليظ العقوبة على كل من يتجرأ على مس أى قطعة منها، فهى ليست ملكا لأحد بعينه، بل هى تراث وماض وحاضر وحضارة ومستقبل مصر ومستقبل أبنائها. وكم كنت سعيداً بوقفة كل من الدكتور زاهى حواس والوزير فاروق حسنى فى عام 2009 فى وجه أحمد عز وهو فى أوج سلطته ليستخرج قانونا من مجلس الشعب يسمح بتداول الآثار، وانتصر فيها، ولم يجرؤ مرة أخرى هو أو غيره على طلب ذلك.
ولذا فإن قانونا صارما يجب أن يصدر يجرم ليس بالسجن فقط، بل بالإعدام لمن يسرق آثار بلده ويتاجر فيها ويبيعها للأجانب، وهذا القانون كان مطلوبا من سنوات مضت بعد زيادة معدلات السطو والسرقة للآثار من كبار القوم وصغارهم، فما يفعلونه يعتبر خيانة لوطنهم. ولنا فى الصين أسوة حسنة التى جعلت الإعدام جزاء من يرتشى أو يسرق، ولو كانت هذه السرقة بيضة أو جمل من أموال الدولة، أو مشط كبريت أثرى كان يستعمله الإمبراطور فى إشعال سيجارته!.
الصدمات التى حدثت لسرقة الآثار كبيرة وستكون أكبر خلال الأيام القادمة بعد دخول عصابات محترفة ومسلحة على الخط ورأينا مهاجمة مخزن "تل الفراعين" بكفر الشيخ وموقع آثار "الزولين" بمحافظة الشرقية ومخزن "القنطرة شرق" المتحفى بسيناء، وقبلها المتحف المصرى ومخازن القاهرة. وربنا يستر.