د.حمزة زوبع

حالة إنكار فى أيام الغضب!

الخميس، 27 يناير 2011 02:12 م


يعانى بعض مرضى الأمراض المستعصية أو القاتلة من حالة تعرف بـ"حالة الإنكار"، وهذه الحالة تعنى أن المريض لا يريد الاعتراف بمرضه! وبالتالى يفقد فرصة حقيقية للعلاج والتداوى، ويعرف الأطباء أن فرصة الشفاء ترتفع كلما كان الاعتراف بحقيقة المرض مبكرا والعكس صحيح.

وفى السياسة كما فى الطب يعانى كثير من ساستنا وقادة الرأى خصوصا من هم على قمة الهرم الصحفى فى مصر من حالة إنكار شديدة، وهى حالة مثيرة للقلق وقد تفضى بهم إلى حالة من الجنون وفقدان العقل، نظرا لأنهم تمادوا كثيرا فى إنكارهم لحالة الوطن وخطورة الوضع السياسى المصرى فى الوقت الراهن.

يحاول رؤساء تحرير الصحف والوكالات القومية وغيرهم فى طابور الانتظار (!) بذل كل ما فى وسعهم لكى يفهمونا أن ما حدث فى تونس لا يمكن استنساخه فى مصر، وهذا أمر يمكن أن نقبله ولكن ما لا يقبله عقل به نسبة قليلة من الذكاء هو النفى الدائم والمستمر بأن مصر لا تعانى شيئا البتة، وأنها (صاغ سليم)، يعنى شخص سليم ومعافى وليس به شىء سوى أن يعد العدة ويذهب إلى الجبهة!!!

لا يرى المدافعون عن النظام فى مصر فيما حدث فى تونس أى عبرة ولا عظة، بل يرون فيما حدث فرصة لتكرار تسبيحهم وتمجيدهم للنظام وبالطفرة (!) التى حققتها مصر فى عصر الرئيس مبارك على مدار ما يقارب ثلاثين عاما من البقاء "الاستقرار" فى السلطة.

ويرى أصحابنا فى الخنادق المتقدمة للدفاع عن السلطة أن ما حدث فى تونس ربما يعيدها لعصر ما قبل التاريخ وأن ما حدث هو إيذان بالعودة إلى الحكم الإسلامى، ولا أدرى على ماذا يستندون وبأى حجة يتحججون! اللهم إلا إذا كان كابوس الإسلاميين يطاردهم ليل نهار.

إذا تصفحت – أرجوك أن تتصفح مقالات رؤساء تحرير الصحف القومية – عقب ثورة تونس وفى أعقاب يوم الغضب المصرى يوم احتفال الشرطة بعيدها - سوف تجد أن أصحابنا لا يزالون فى حالة إنكار)، وأن عفريت الإسلاميين لا يزال يركبهم، بل ويقودهم إلى آراء وأفكار ربما تصل إلى حد (التخريف) أحيانا. ما علاقة الإسلاميين بما حدث فى تونس؟

لقد اعترف رئيس حزب النهضة "رشاد الغنوشى" من منفاه أن هذه ثورة شعب وليس لأحد يد عليها!

لكن أصحابنا ولأن عفريت الإسلاميين يطاردهم يتحدثون عن مخاطر عودة الإسلاميين إلى تونس، وهذا فى رأيهم يعنى القضاء على مكتسبات (بن على)، وأهمها القضاء المبرم على الإسلاميين والإسلام بكل مظاهره، وهم يربطون بين ما حدث فى تونس وما يمكن أن يحدث فى مصر وركوب الإسلاميين للموجة، وبالتالى الاستيلاء على السلطة!!

مساء يوم الغضب وبينما تنقل الوكالات صور الحشود التى قررت الاعتصام فى ميدان التحرير كان التليفزيون المصرى يناقش كبير المخططين الإستراتيجيين للحزب الحاكم والذى ردد نفس الأسطوانة حول الإخوان ودورهم فى المظاهرات، وكيف يمكن لهم أن يخطفوا هذه المظاهرات وراح صاحبنا يتحدث عن خطورة الموضوع وكأن الإخوان هم من أطلقوا يوم الغضب – نفس العفريت ونفس التفاصيل ونفس الكلمات..!

إذن عاد أصحابنا لنفس الحالة القديمة (الإخوان قادمون)، وهى حالة مرضية قد تودى بهم إلى اكتئاب حاد، وربما ينتهى الأمر بالهلوسة التى تجعل صاحبها ينطق بما لا علم ولا عى ولا يفهم!!

أى إسلاميين يا سادة وما علاقة الإسلاميين بما يحدث فى مصر الآن؟ مصر كلها تئن وتشكو. وأسأل من بقى لديهم عقل فى السلطة: هل الإسلاميون يحرقون أنفسهم أو يأمرون أتباعهم بالانتحار؟ هل الإسلاميون فى السلطة أو شركاء فيها؟

هل للإسلاميين أغلبية فى البرلمان ولديهم القدرة على التشريع وتعديل القوانين والتشريعات حتى يبقوا يف الحكم إلى ما شاء الله؟ هل أبناء الإسلاميين هم من يتم تسويقهم فى كل مكان للوصول إلى السلطة فى مصر وليبيا واليمن وغيرها؟ أى وهم تريدوننا أن نشترى منكم يا سادة؟

الحقيقة الواضحة للعيان أن فكرة استنساخ ما حدث فى تونس ليست واردة بشكل نمطى فى مصر، ولكن ما قد يحدث فى مصر من الممكن أن يكون مختلفا ومفاجئا على غرار المفاجأة التى حدثت فى تونس، فمفاجآت الشعوب وإبداعاتها لا تتوقف وحركة التاريخ خير شاهد على ما نقول.

ينصح الأطباء المرضى الذين يعانون أمراضا خطيرة أن يعترفوا بإصابتهم بالمرض وأن يبدءوا رحلة العلاج فورا ودون تلكؤ، وأعتقد أن السلطة المصابة بمرض الاستبداد تحتاج إلى اعتراف فورى بالمرض، وبالتالى يمكن تبدأ مرحلة لا علاج وساعتها سيقف الجميع معها، لأنها مريضة تحتاج إلى الدعم والمساندة أما الإنكار وادعاء السلامة فلن يغنى ولا يسمن من جوع.

آخر السطر
يحكى أن أسد الغابة أصابته علة، فخشى أن تعرف حيوانات الغابة بعلّته فتتجرأ عليه، فاستأجر النمر ليدافع عنه، وقد فعل النمر كل ما فى وسعه وقام بمطاردة حيوانات الغابة التى تتجرأ على أسد الغابة العليل!

وذات يوم وبينما الأسد مستلق فى عرينه والنمر من حوله يحرسه إذ هبط نسر من السماء، ففقأ عينى الأسد والنمر لا يحرك ساكنا، بينما الأسد يستنجد به: أليس بيننا اتفاق؟ ألم نوقع اتفاقية حماية؟
رد النمر ببرود شديد: سيدى لقد اتفقنا على أن أحميك من حيوانات الأرض أما مصائب السماء فلا دخل لى بها!!

تصبحون على وطن.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة