خالد صلاح

محمد الدسوقى رشدى

مصر التى تجلت فى 25 يناير

الأربعاء، 26 يناير 2011 06:36 م

إضافة تعليق
كان المشهد فى ميدان التحرير أسطورى، وكأنه من صناعة كاميرات السينما أو من ترتيب مخرج هوليودى محترف، لا تكذب فلا أنا ولا أنت ولا حتى الدولة تخيلت ولو للحظة أن مصر قادرة على أن تنزل إلى الشارع، لم يكن أحد يتخيل أن الميدان الذى اعتادت وسائل إعلام الدولة أن تسخر من مظاهراته الصغيرة تحول إلى ساحة كبيرة للحرية تمتلأ بحوالى 50 ألف مصرى جمعتهم رغبة التغيير وحدد لهم الغضب موعد النزول للشارع وليس الفيس بوك أو رسائل المحمول كما تخيل البعض.

كان الشباب والرجال والنساء أبناء المناطق الشعبية والراقية يتساقطون من بلكونات وشبابيك منزلهم كلها سمعوا نداء "ياأهالينا ضموا علينا" أو "انزل يا مصرى"، كانوا يتساقطون بسرعة بلا تردد وبلا خوف ولا تفكير لدرجة تجعل المسيرة تنتهى فى آخر كل شارع بضعف حجمها، الأمر إذن لم يكن منظما والآلاف التى خرجت فى القاهرة وفى السويس والمحلة والإسكندرية لا يجلسون على الفيس بوك ولا يتبادلون رسائل المحمول ولم يجمعهم إخوان أو جمعية تغيير أو حزب سياسى كما حاول بيان الداخلية أن يروج، الآلاف الذين خرجوا جمعهم الغضب وضرب معهم نفاد الصبر موعدا، الآلاف الذين خرجوا لم يضحك عليهم حزب سياسى أو يتلاعب بعواطفهم بيان دينى من جماعة الإخوان، أو رسالة على تويتر من الدكتور البرادعى، الآلاف الذين خرجوا فى القاهرة والسويس والمحلة والإسكندرية خرجوا لأن عرق الكرامة وجعهم وأخبرهم بأن الوقت قد حان، ليقولوا للنظام الأعور أنت أعور فى عينه، وليس عبر أحاديث المقاهى أو حوارات الإنترنت.

فى وسط البلد تجلت عظمة هذا الوطن وعبقرية هذا الشعب الذى كلما ضغطوا عليه واتهموه بالسلبية والضعف فاجأهم بما هو عكس ذلك، لا تصدقوا شاشات التلفزيون أو صحف الحكومة التى نقلت لكم صورا من بداية أحداث 25 يناير لتخبركم بأن المشاركين فى المظاهرات لم يتعد حجمهم الثلاثة آلاف متظاهر، لا تصدقوا شاشات التلفزيون وصحف الحكومة التى نقلت لكم صورا لشباب غاضب يقطع طريقا أو يمزق لوحة أو يلقى بحجر هنا أو هناك أو يشتبك مع رجل أمن لأن ما حدث كان ردا على فعل أقسى وأغلظ من رجال الأمن الذين انهالوا على المتظاهرين بالقنابل المسيلة للدموع، وكأنها مطر، ولم يرحموا قريبا من عصيانهم وهرواتهم وأحذيتهم من الضرب، ولم تفرق خراطيم مياههم المندفعة بين عجوز أو شاب أو طفل، لا تصدقوا صحف الحكومة أو تلفزيونها إذا أخبروكم بأن ماحدث فى وسط البلد أو السويس أو الإسكندرية كان شيئا عاديا لأن ماحدث فى 25 يناير لم تشهده مصر منذ أحداث يناير 1977 مع اختلاف أكبر، إن الذين خرجوا فى يناير 2011 لم يخرجوا حينما قرصهم الجوع بل خرجوا حينما قرصتهم الكرامة ووجعهم الإحساس بالغضب.

سوف يفعل إعلام الدولة الأفاعيل لكى يؤكد لكم أن ما حدث كان شيئا عاديا وتظاهرة مثل باقى التظاهرات السابقة، فلا تصدقوهم لأن خجل الدولة وحده هو الذى يدفعهم لترويج ذلك، خجل الدولة من ارتباكها وضعفها وعدم قدرتها على مواجهة الجماهير الغاضبة فى ساحة ميدان التحرير سيدفعها لأن تشوه الصورة بإتهامات مختلفة من نوعية المخربون والقلة القليلة المندسة.

كل هذا الارتباك الذى شهدناه فى وسط البلد على وجه القيادات الأمنية ورجالات الإعلام الحكومى يخبرك ببساطة بأن "ركب" هذا النظام كانت تتخبط فى بعضها من مظاهرات التحرير وشهداء السويس وعظمة التجمع الإسكندرانى، الدولة كانت مرعوبة، ومن شدة رعبها لم يجرؤ أحد رجالها على الخروج لمواجهة الناس أو حتى محاولة تهدئتهم، لم يجرؤ وزير أو قيادى فى الحزب أو فى النظام ليقول للناس "بم" أو حتى "بم..بم"، ومن منهم يملك القدرة على الكلام والهتاف الرائع كان يصم أذن التخين حينما يردد المتظاهرون" الشعب يريد إسقاط النظام".

الرسالة وصلت كن متأكدا من ذلك ياعزيزى.. كن متأكد من أن النظام استلمها وقرأها بعناية بل ويعيد قراءة سطورها من أول جديد حتى لا يفوته معنى ولا حرف، رسالة ماحدث فى 25 يناير وصلت وأربكت النظام وأوجعته بدليل كل تلك المحاولات الخائبة لقطع شبكات الإتصال وتكميم برامج التوك شو وحجب فيس بوك وتويتر، الرسالة وصلت لأن أحدا من رجال الأمن لم يكن يتوقع أن تعيد الفلول التى فرقتها القنابل والرصاصات المطاطية فى منتصف الليل تجميع نفسها فى الشوارع الجانبية لتبدأ مسيرة اخرى من بولاق أبو العلا إلى شبرا، مرورًا بروض الفرج بدأت فى الواحدة والنصف وانتهت فى الخامسة صباحا وتفاعل معها النساء والأطفال من البلكونات.

قد تكون ساعات 25 يناير الأربعة والعشرون، قد انتهت ولم يركب أحد طائرة الهروب ولم تشتعل الثورة وقد تكون محاولات التجمع الثانى فى يوم 26 يناير خائبة وليست على نفس القدر من عظمة ماحدث بالأمس ولكن سيبقى ماحدث رسالة إن لم يفهمها النظام فقد فهمها الناس حينما أدركوا أن قوتهم تكمن فى نفوسهم وليس فى الأحزاب الورقية أو الحركات الإحتجاجية التى تموت قبل أن تولد، مصر التى نريدها ياسادة كانت موجودة بالأمس فى ميدان التحرير ومحطة الرمل، لم تخش همجية رجال الأمن، ولا الصمت الجبان الذى أصاب رجال النظام، مصر التى نريدها تجلت فى 25 يناير ومن تجلى فى يوم قادر على أن يتجلى بنور أسطع وأقوى مرة أخرى ليصيب كل ظالم بالعمى الكلى.
إضافة تعليق




لا تفوتك
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة