مازال الدكتور "سعد الدين إبراهيم" قادرا على إدهاش المصريين- ليس جميعهم بالطبع- يصرح بالشىء باقتناع شديد.. ثم لا يلبث أن يصرح بعكسه بنفس درجة الاقتناع.. يقدم على فعل بإيمان عميق.. ثم يقدم على عكسه أيضا بنفس الإيمان.. ولعل توقيعه الأخير على إئتلاف دعم جمال مبارك مرشحا للرئاسة.. ثم نفيه لهذا التوقيع وادعائه أنها مجرد إشاعات.. ليس آخر أفعاله وعكسها التى مازالت تفاجىء الكثيرين!!
فى نفس المسار أتابع الدكتور "محمد البرادعى" المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية.. ورغم فارق القياس.. فالدكتور "البرادعى" الذى هبط أرض مصر بعد أكثر من 40 عاما خارجها.. يسير بخطى مهتزة على نفس الطريق.. معتمدا مذهب "قالوله".. يمينا ثم يسارا.. شرقا ثم غربا.. طول الجمهورية أو عرضها.. حيرة غير عادية فى فترة قصيرة نوعا فى كل من يتابع تحركاته، وتصريحاته, وخروجه ودخوله من وإلى مطار القاهرة الدولى!!
الدكتور "سعد الدين إبراهيم" حامل الجنسية الأمريكية – ولا لوم فى ذلك – جاءنا رافعا لواء التبشير بأهمية دور منظمات المجتمع المدنى.. راغبا فى استثمار تجربته الطويلة فى بلاد العم سام.. مفتعلا من الأمر قضية يضع فيها "العقدة فى المنشار" بحسب المثل الشعبى أمام الجميع.. ولأكثر من 40 عاما من المتابعة الممزوجة بالحيرة للدكتور.. بدا أن النموذج موجود ببساطة فى الداخل.. الدكتور "على جمعة" مفتى الديار المصرية.. قدم جهده الخالص قى مؤسسته المدنية الخيرية "مصر الخير".. مستخدما أموال الوقف الخيرى والصدقات والزكاة من داخل مصر وخارجها فى تنمية المجتمع المصرى.. يتم إنفاقها على الفور فى الصحة والتعليم... أما أموال التبرعات فيتم استثمارها فى مشروعات ومحافظ مالية تحقق أرباحا.. تستخدم فى رفع المعاناة عن الطبقات المحرومة وشديدة الفقر.. خاصة فى مجالى الصحة والتعليم.. تنفق أيضا على إعانة ورعاية المسنين والأيتام وأطفال الشوارع والمساعدة فى تمويل الأبحاث العلمية المفيدة للمجتمع.. فى صمت.. وببساطة شديدة.. ودون اضرار للاستماع للتصريحات وعكسها.. والأفعال وعكسها.. كتب الدكتور "على جمعة" عنوان تنمية المجتمع الحقيقية عبر مؤسساته المدنية.. فلا احتياج لنا بتطبيق نموذج أمريكى فى التنمية!
الدكتور "البرادعى" بعد سنوات طوال فى الخارج.. محتفظا بمظهره الكلاسيكى.. محافظا على لغته العربية.. حريصا على عدم السماح للابتسام أن يعرف طريقا لوجهه.. جاء ليحذرنا مستاء.. يوجهنا بضرورة التغيير.. صاحبه الكثير من الصراخ ممن أحاطوا به.. أو الذين اختلفوا معه.. وأصبح المشهد الذى يتصدره "البرادعى" كلما هبط أرض مصر.. بين سفرة وأخرى.. صراخ مشتبك مع صراخ.. وتجهم متقاطع مع تجهم.. ووصايا متنافرة مع مثيلاتها.. وبنفس صمت وبساطة الدكتور "على جمعة".. كان إنجاز الدكتور "مجدى يعقوب" فى أسوان.. مركز لأمراض القلب بلا مقابل.. منذ سنوات يأتى الرجل إلى مصر بلا ضجيج.. ولا مستقبلين بالورود.. ولا تصريحات أو هتافات.. يجرى الجراحات بطاقمه متعدد الجنسيات.. ثم يغادر وهو يعلم أنه قادم فى وقت قريب.. "السير" مجدى يعقوب يعرف جيدا أنه مصرى.. ويعرف جيدا قيمة علمه الذى منحه الله.. ليفيد منه الذين لا يملكون المال..
بعد أكثر من 40 عاما فى الداخل – للدكتور إبراهيم - .. وفى الخارج – للدكتور البرادعى - .. ماذا قدم كليهما من ملايينه للتنمية فى مصر؟!.. وكم مصرى استفاد بحق من علم وتجربة أى منهما بحق؟!
هذان سؤالان مباشران.. ينتظران إجابة محددة من الدكتورين.. بلا ضجيج أو هتافات أو شعارات.. وأفراد "كتيبة المتشنجين الجدد" يمتنعون!!
كاتبة صحفية بالأهرام .*