انشغل الجميع، إمـّا بعودة د. البرادعى وتردد أنباء عن ترشحه لرئاسة الجمهورية، وإمّـا بإمبراطور أعياه انخفاض أسعار الصلب فراح "يدعبس" عن دفين آثارنا، محاولاً استصدار تشريع يبيح الاتّجار بحضارتنا، وإمّـا بالتفكير ألف مرة قبل التفوّه بكلمة أو آلاف المرات قبل كتابة أخرى.. بعد أزمة أحد المدونين، متناسين الأزمة الحقيقية المتمثلة فى اصطفاف مرضانا فى طوابير فاق طولها محنتهم خلال رحلة مرضهم بحثاً عن علاج سلبهم إياه مَن بايعوهم من النواب.. ورغم القرار الصريح لوزير الصحة باستقبال المستشفيات للمرضى دون انتظار قرارات العلاج، إلاّ أن "عمِّ سيد كريم" وهو واحد من ملايين المصريين الذين كانوا يتلقون علاجهم على نفقة الدولة.. وجاءت أزمة نواب العلاج الأخيرة ليطالبه معها مركز الأورام بمستشفى جامعة طنطا بعمل الأشعة وإجراء التحاليل وشراء جرعات العلاج الكيماوى على نفقته الخاصة، غفل المدونون وحملة الأقلام، عن الدور الحقيقى المنوط بهم.. وهو الوقوف إلى جوار العمال الغلابة والفلاحين الطيابة الذين سقوا هذه الأرض بعروقهم، تناسوهم وراحوا ينددون ويشجبون، يؤيدون هذا ويعارضون ذاك.. منشغلين بزواج مسئول ما، ورفع الحصانة عن آخر.. متسائلين: ماذا أصابك يا وطنى؟ ولم يكلف أحدهم نفسه أن يتساءل يوماً: ماذا أصابك يا قلمى؟ وتناسوا "عم سيد" وأمثاله ممن هم فى مسيس الحاجة لعمهم ومواساتهم والوقوف إلى جوارهم لا سيما وقد أصبحت أيامهم فى الحياة معدودة.
فماذا يفعل أكثر من 36 مليونا "عم سيد".. بعد أن تخلــّى عنهم المثقفون وأصحاب الرسالة سوى أن يفضلوا الموت فوق أسِرّتِهم عن الموت برائحة العَرَق النازف مدراراً وسط زحام الطوابير وطوابير الزحام.. رغيف العيش، البطالة، حتى طابور الحصول على الإقرار الضريبى.. وأخيراً طابور العلاج، ليردد لسان حالهم قول الشاعرة أميمة إسماعيل: "هىَّ دى بلدنا ولا مش ديـّا.. وان كنّا فعلاً م البلد ديـّا.. ليه اتقتلنا ومالنا ديه.