خالد صلاح

أكرم القصاص

مصر والجزائر.. ونشبع فيها لطم

الأربعاء، 27 يناير 2010 01:25 م

إضافة تعليق
اختبار فى الجغرافيا والتاريخ، والحضارة، مع أن الأمر كله مباراة ستبدأ وتنتهى فى دقيقة، أو أكثر قليلا، لكن المباراة بين مصر والجزائر تجاوزت مباراة فى كرة القدم إلى معركة وسبق فى كل شىء إلا التقدم. واستعدت كتائب الشحن العام من البلدين لخوض فاصلة المصير من أجل المستقبل والماضى والحاضر.

ما نراه الآن فى مصر أن العقلاء أكثر، والرغبة فى تجاوز ما جرى فى أم درمان وقبلها القاهرة، وهناك أصوات فى الجزائر تعلن الرغبة فى اعتبار الأمر مباراة، ومع ذلك فقد استعدت كتائب الشحن العرقى فى البلدين ولم تعد المسألة مجرد مباراة فى كرة القدم بل فى كل شىء إلا الكرة.

المعركة فى الإعلام وليس فى غيره، تصريحات لجزائريين ومصريين، وشتائم متبادلة، تتحول إلى كرة لهب، تشعل مشاعر المشجعين، وتعتبر الأمر ثأرا، يستحق الاستعادة. كثيرون استبعدوا أن يلتقى الفريقان مرة أخرى، بالرغم من وجود الاحتمال، لكن الواقع جعلهما يلتقيان، ويمكن أن تكون المباراة فرصة لإصلاح علاقات تمزقت على مذبح التعصب.

لم يحدث بين مصر وأى فرقة أخرى أى تعكير للأجواء والأمر نفسه بين مصر والجزائر، لكن الإعلام وحده هو الذى بدأ الحرب، وهو الذى يصور الأمر كأنه معركة. هناك فى الطرفين من يريد تفريغ كل مشكلاته فى هذه المباراة، بعض المصريين والجزائريين اعتبروا المباراة نوعا من الكرامة، مع أن الكرامة تهان وتستعاد خارج الملاعب، مواطنو البلدين يعانون من سوء الإدارة والفساد والبطالة والعجز عن استعادة التاريخ المضىء. لن يسمع أحد من البلدين لأصوات تقول للجميع إن الموضوع كله مجرد مباراة.

فصل جديد من الصراع العبثى يخوضه أشخاص أكثرهم لا يمكنه المطالبة بحقه السياسى أو الاجتماعى، أو الاقتصادى لا يمكنه إيقاف قطار الفساد المنطلق فى كل اتجاه.

لقد كتب زملاء كثيرون فى الطرفين المصرى والجزائرى يطالبون بأن تبقى مباراة كرة القدم داخل الملعب وألا تخرج إلى أجواء أخرى، ومن متابعة التعليقات من الطرفين ستجد أشخاصا يعتبرون الدعوة للتهدئة نوعا من الضعف، وأن هذا هو السبب فى الهزيمة، مع أن هذا الشخص نفسه الذى يصور نفسه مدافعا عن الكرامة لا يحصل على أى نسبة من هذه الكرامة فى عمل محترم ولا يعرف حقه أين هو وكيف يحصل عليه.

ومن الملفت للنظر أن المصريين والجزائريين يدعون الله.. والله هو رب مصر ورب الجزائر، يرزق الجميع ولا يمكن أن ينحاز لطرف دون آخر خاصة وأن كلا البلدين.

وأظن أننى وكثيرين لا يشعرون بأى ضغينة تجاه الجزائريين بصرف النظر عن النتائج، وأتمنى فقط ألا يلقى الفاشلون فشلهم على مشجعين يعانون الأمرين، ويريد كل منهم أن يشعر بالفرح ولو للحظات، لكن ألا يكون هذا على حساب علاقات تمتد فى التاريخ، وأظن أن هناك أشياء كثيرة يمكن أن تسعدنا، ليس أهمها الكرة. وأتمنى من ندابات الروح الرياضية الفاسدة، أن يتوقفوا عن اللطم قليلا، ويكفوا عن توظيف مشاعر الناس البريئة فى إشعال صراعات تافهة، ومثلى مصريين وجزائريين يهمهم انتهاء الفساد والبطالة وتجارة الشنطة الرياضية.

ولا نصادر حق كل مواطن فى تشجيع فريق بلده، ولا نطالب المصرى بتشجيع الجزائر أو الجزائرى بالتصفيق لمصر، بل العكس على كل منهم أن يشجع فريقه إلى أبعد مدى بشرط إلا يصل الأمر إلى تطرف يفسد العلاقة بين البلدين، والدليل على إمكانية ذلك أن كلا الفريقين المصرى والجزائرى لعب مباريات قبل تلك المباراة، وليست تلك المباراة هى الأخيرة، ونرى فرقا تخسر كأس العالم على هدف واحد، أو تكسب على ضربة جزاء دون أن تقوم حروب أو تشتعل صراعات.

لكن بالطبع هناك من يكسب من كل هذا الشحن مثلما هناك من يكسب من الطائفية، هناك شركات طيران وتجار أعلام وتجار سياسة، وسياسيون يريدون أن ينسى الناس مشكلاتهم ويتغاضوا عن نقص الخدمات أو غياب السياسات، ويندمجوا فى حفلات زار يتطوحون فيها، ويدخلون فى حالة من الضياع تنسيهم أن الفساد من حولهم وأن البطالة من ورائهم. ستنتهى المباراة شئنا أم أبينا وسيفوز فريق من فريقين، لكن سيبقى الندابون والندابات شاهدا على أن الحرب قامت بسبب ركلة لاعب، وليس لأى سبب آخر.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة