فى زمن ضاعت فيه الثقافة والمثقفون وأغفل فيه الفكر والمفكرون، أتساءل أين عقلاء هذا الزمان ؟ أين مفكرو وعلماء هذه الأمة؟ ولا أقصد بهذا السؤال العلماء المشتغلين بالعلم المادى ولا المفكرين المشتغلين بعلوم الدين والشرح والنقل، ولكن ما أقصده بسؤالى هم العلماء والباحثون والمفكرون المشتغلون بالعلوم الإنسانية والدراسات الاجتماعية والدراسات النقدية ومباحث المعرفة بشتى أنواعها؟
هل يتعارض الفكر الإسلامى مع ذلك، أم أن تكفير الفلاسفة فى عصر الحضارة الإسلامية أغلق الباب فى وجه من يحاول الاشتغال بعلوم الفكر والمعرفة؟ هل البحث فى المجردات العقلية كحقيقة العالم وماهية الإنسان كفارا وإلحادا؟ و إذا كانت الإجابة بالنفى فلماذا يهاجم أصحاب الفكر والفلاسفة فى مجمعاتنا وتفتح الأبواب للنقل والشروح الدينية فقط؟ ولماذا نعتبر العودة إلى أصول الأشياء وتجريد الماديات والبحث عن الجوهر لا المظهر جريمة عقلية وخطيئة فكرية؟
ولماذا نغفل أهمية العلوم الإنسانية من فنون وآداب وأشعار ونرى النقد دائما أداة هدم لا بناء؟ هل الشريعة تتعارض مع الفكر النقدى والتحليل المنطقى؟ أم أن ثقافة مجتمعاتنا اليوم ترفض إعمال العقل وتناصر الجمود والركود؟
وإجابة هذه التساؤلات تتلخص فى مظهر واحد وهو ما حل بالأمة الإسلامية اليوم، فقد اضمحل الفكر وسقطت الحضارة ولم يعد سوى بقايا إنسان يقوم بأداء الفرائض الدينية دون أن يعى قيمتها. نردد أقوال وحكم جليلة دون أن ندرك المعنى.
وتحولت مفاهيم عظيمة إلى معانى ركيكة، فأصبح معنى "الجهاد" حربا ضد من يظنه حزبك عدوا وقد يتصاعد الأمر إلى درجة الإرهاب، وأغفلنا معنى الاجتهاد وإعمال العقل والدفاع عن الإنسانية. حقا ضاعت الكثير من المعانى. والأدهى من ذلك هو تحول الأمة إلى أحزاب وأقوام كل حزب وكل قوم بما لديهم فرحون.
فالمسلم اليوم لا ينتمى للإسلام بل ينتمى إلى قوميته وثقافة تلك القومية أولا وأخيرا . لم يعد الرابط بين المسلمين اليوم مثل مكان عليه المسلمون الأوائل فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فالتعددية والحزبية اليوم أصبحتا منهاجا ومسلكا ووصمة تتسم بها المجتمعات الإسلامية . وقد تحول الأمر إلى كارثة بعد أن اشتددت الضغائن بين الأحزاب والقوميات وأصبح المسلمون على شفا حرب بعد أن قام كل حزب بتكفير الآخر.
كل ما يحدث الآن سياسيا ودينيا واجتماعيا وكذلك اقتصاديا ما هو إلا أزمة ثقافية من النوع الأول وسببها هو غياب الفهم الصحيح و تضارب الأفكار وغياب المرجعيات . لقد بعدنا كل البعد عن الأسباب الحقيقية لكل شىء وخلقت العصبيات والقوميات مناخا من العداء تلاشت فيه الحريات وقطعت فيه الحناجر ولبس الباطل لباس الحق فغابت الحقائق وتحيرت العقول وضاعت المعايير.
إنه جو يشبه بلاد الإغريق قبل ظهور سقراط أو بلاد العرب قبل ظهور الإسلام بل على الأرجح أوروبا فى العصور الوسطى.
و فى هذا الجو الخانق المتضارب المتلاطم تظهر للعيان حقيقة واحدة وهى الحاجة إلى الوعى النقدى والفكر الفلسفى . والدعوة هنا ليست دعوة للفلسفة الوجودية أو الميتافيزيقا، ولكنها دعوة للفلسفة بمعنى البحث عن العلل البعيدة والبحث فى الجوهر لندرك الحقائق المجردة.
فافتقارنا للفكر النقدى والوعى الثقافى والتحليل الفلسفى جعلنا أدوات فى يد رجال الدين تارة يحرمون ويحللون ما يشاءون، وتارة فى يد رجال السياسة يناصرون لمن يرونه صديقا ويعادون من يضارب مصلحتهم الخاصة . لقد أصبحنا مجرد دمية يتحكم بها من يتسن له السلطة ومن لديه النفوذ.
أمة الإسلام لا تجعلوا عقولكم صناديق فارغة تحتاج لمن يملأها بالأفكار . فالمسلم عاقل يتحرى الحقائق . فالتفكير والتحليل طبيعة العقل البشرى فلا تغلق أبواب التفكر والتأمل فى كل ما يحيط بك، فإعمال العقل فريضة . لا تجعل نفسك دمية فى أيدى أهواء المفسرين والمحللين واصنع من حالك عالما أو مفكرا. وأدرك أن الفنون والآداب تبهج النفس البشرية وتلهم الروح الإنسانية وتفتح لها آفاق الإبداع، كما أنها ترقى الذوق وتهذب الطبع. فالعلوم الإنسانية ليست ضربا من العبث وإنما هى قيمة حقيقية لمن أدرك نفعها. وتذاكر أن النقد والتحليل يجعلك تميز بين ما هو فطرى حقيقى وما هو اصطناعى باطل.