نشرت منظمة فريدم هاوس freedom House تقريرها لعام 2008، وبالمناسبة فهى منظمة غير تابعة لدول الممانعة وليست ممولة من إيران ولا تتبع مكتب المرشد العام للإخوان المسلمين فى مصر وليس لها أجندة سورية ولا تتمتع بمكاتب ارتباط مع تنظيم القاعدة وبالطبع ليس لها أى علاقة من قريب أو بعيد بتنظيم النسل! هذه المنظمة الدولية المعنية بقياس مدى انتشار أو تراجع الحقوق السياسية(Political rights PR ) ) والحريات المدنية Civil Liberties ( CL) قد وضعت مصر فى مرتبة متأخرة فى هذين المجالين وفقا للتقرير الذى نشر مؤخرا عن حالة الحريات فى العالم.
ومثلها مثل بقية منظمات العالم المحترمة من منظمة الشفافية الدولية أو منظمة هريتاج للشفافية الاقتصادية أو هيومان رايتس ووتش أو العفو الدولية (امنستى انترناشيونال) أشارت المنظمة فى تقريرها عن عام 2008 إلى أن مؤشر الحقوق السياسية فى مصر يقف عند الرقم 6 وهى المرتبة قبل الأخيرة فى تدنى الحقوق السياسية (المؤشر يبدأ من رقم واحد وهو أعلى درجات الحرية السياسية وينتهى بالرقم 7 وهو أدنى الدرجات)
أما مؤشر الحريات المدنية فدرجة مصر هى 5 أى قبل آخر الدرجات المتدنية بدرجتين، أما الخلاصة فهى أن التقرير صنف مصر على أنها دولة غير حرة بالمرة Not Free مثلنا مثل الصومال وتركمانستان والإمارات وتونس وطاجيكستان ومعهم بالطبع سوريا وإيران والسعودية بينما دول مثل أثيوبيا وجواتيمالا وغينيا بيساو وفيجى (هل سمعت بها من قبل) تعتبر حرة إلى حد ما (partly free ) أما الدول الحرة والتى لا تنتسب مصر إليها رغم أننا كنا ولا زلنا نهتف (عاشت مصر حرة) فتضم قائمتها غانا وقبرص وكوستاريكا وتشيلى وكرواتيا والدومنيكان، إضافة إلى الدول العريقة فى مجال الحريات وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا والدنمارك التى حققت أعلى الدرجات على الإطلاق.
بالطبع المسألة مثيرة للقلق ولكن لا أحد فى مصر ينتابه القلق على هذه المؤشرات ولا يلتفت كثير من أهل الحكم إلى هذه التقارير بل إن بعض (الكتّاب الحكوميين) يتجاوزون حدود المهنية ليتهموا هذه المنظمات بأنها (تسمع كلام المعارضة وتنساق وراء ادعاءات الإخوان المسلمين بوجود تعذيب واضطهاد وقمع للحريات ومحاكم عسكرية) وكأن مصر ترفل فى نعيم الحرية وتنعم بالديمقراطية المطلقة.
وفى رأيى أن المشكلة الكبيرة التى تعانى منها مصر ليست فى التقارير الصادرة بل فى سوء الأوضاع حقيقة على أرض الواقع، والأسوأ من كل هذا هو حالة الإنكار الدائم State of Denial التى تعترى المسئولين والإعلام الرسمى وتوابعه، فتارة يهاجمون تلك المنظمات وتارة يستشهدون ببعض تقاريرها خصوصاً إذا كانت فى صالحهم ـ وتارة أخرى يعتبرون التعامل مع هذه المنظمات خيانة للوطن فى الوقت الذى تفتح فيه مصر أبوابها الرسمية للتعامل مع تلك المنظمات وتناقش معهم أحيانا بعض تقاريرها التى جمعتها من الميدان. إن الحل يكمن فى عدم الإنكار والتعامل مع الواقع السياسى بقليل من التواضع، فلا نحن دولة عظمى فى المنطقة نقود الآخرين بما فيهم العدو – الجار، ولا نحن دولة حرة نقدم نموذجا لشعوب المنطقة لتتبعنا.
نحن دولة تدهورت أوضاعها بفعل فاعل أو مجموعة من الفاعلين، ونحتاج إلى زمن يمكن اختصاره لو صدقت النوايا واعترف الجميع من أقصى يمين النظام إلى أقصى يسار المعارضة أن مصر بحاجة إلى وقفة حقيقية من أجل أن تعود حرة.. هذا زمان يحتاج إلى من يحبون مصر.. لا الكراسى والمناصب، يحتاج إلى مصلحين يعرفون كيف يتعاملون مع مواطن الخلل، لا كيف يعمقون جراح التدهور والتخلف والانقسام. ليس عيبا أن نعترف بفشلنا، بل العيب أن نستمر فى حالة التوهان والإنكار. أمريكا اعترفت بأخطائها وقررت التغيير، فهل نستطيع نحن بلا حزبية أن نبدأ رحلة التغيير بشرط ألا نطلق لأنفسنا عنان توجيه سهام الاتهام على ما مضى هل يمكننا أن نفتح صفحة جديدة؟