فى الواقع كنت أظن أن أصدقائى رومانسيون بعض الشىء، وكذلك بعض أهلى وجيرانى ... كنت أظن أننى أيضا رومانسى قليلا ... وبعض المطربين ذوى الآهات الرنانة ومعهم بعض العازفين والملحنين الذين أحب موهبتهم وإحساسهم ... كنت أتقصى الناس .. هذا رومانسى وذاك الآخر عاطفته جياشة ... حتى مررنا جميعا بالأحداث الأخيرة فظهرت الحقيقة واضحة ، واكتشفت.............. أن شعب مصر كله رومانسى ... شعب مثل الوردة المدللة الرقيقة ...
بعد أحداث السودان التى بالطبع لا تخفى عليكم ... أو كما يطلق عليها الجزائريون اسم "معركة" ... بعد "معركة أم درمان" .. وبعد ما أكلنا الضرب .... وشربنا المقلب ... وامتلأت بطوننا من الألم والحسرة والآه ....
وبعد ما تكسر الزجاج .. وبعد حجز المصريين العاملين بالجزائر وتجويعهم .. وبعد سرقة المحلات والشركات المصرية بالجزائر ...
بالمناسبة : أذا كانوا يكرهون كل ما هو مصرى فعليهم أن يكسروا ويحطموا المشركات لا أن يسرقوها ... لدرجة أنهم سرقوا الثلاجات والموبايلات ..... إلا إذا كانوا يرون أننا فى غزوة وأنهم أخذوا ثلاجاتنا وأجهزتنا كغنيمة ... والمهندسين المصريين كأسرى ...
ما علينا ... فقد تلقينا الخيانة ... وما أصعبها الخيانة عندما تأتى من الحبيب الشقيق الأخ !! ... إذا كنا حقا أشقاء فليتنى أعلم لنا أبا أو أما كى أشكو شقيقتنا الخضراء إليهم ... ولكنى شكوتهم إلى الله سبحانه ...
القصد أنه قامت الدنيا ولم تقعد فى مصر كلها ... بمدنها ونجوعها وقراها ... فى القنوات والمواقع والجرائد ... (المصرية بالطبع) ... و حتى جامعاتها وربما المدارس ...
وكان ينقصنا فقط الحضانات والأطفال الرضع ويكتمل البناء ... بناء الثورة والغليان والغضب ....
واتجهت كل برامج التوك شو إلى مهاجمة الجزائر شعبا وحكومةً وجمهورا ومنتخبا ... وبدأت سلسلة من السب والقذف العلنى فى الفضائيات .. والذى تقبله الجميع بصدر رحب .. فقد أسقطنا مراعاة الأدب العام والإعلام المؤدب فى تلك الفترة .. وبدأنا نشن الحملة التى نصنعها نحن ... ونسمعها نحن .... بالطبع السب من نصيب الخضراء ولكن لا يسمعه إلا المصريون ..... وعجبى .......
وبدورهم قام الفنانون بالغناء للثأر .. والغناء للوطن الأم ... (مصر) .... (الغالية) .... وربما جرت فينا الوطنية ... ومظاهرات هنا وهناك .... وتم سحب السفير المصرى .... ومطالب بطرد السفير الجزائرى ... وتصريحات نارية للجميع ... من أكبر الشخصيات الرسمية وحتى أصغر المواطنين قدرا ومكانة ... وغيرها من التصرفات والأفعال التى عالجنا بها جرح الإهانة .... الشعب المصرى كله انفجر وخرج كسهمٍ نارى يحرق كل ما يقابله .... لدرجة أن بعض المتحمسين كسروا المحلات المصرية بجوار السفارة الجزائرية ..... وهذا .........هو كل ما حدث .. نعم كل ما حدث ..
دعنا يا سيدى من هذه الفترة ... يوم .. يومين ... أسبوع .... لنرى الفارق ......
الجو هادئ ... والمياه صافية ... وقد شارفت على أن تعود لمجاريها ... برامج التوك شو رجعت لمواضيعها القديمة ... والتصريحات النارية انطفأت ورجعت من حيث أتت .... والرأى العام نفسه هدأ ولم يعد يتكلم .... وكأنه قد استرد حقوقه كاملة .....
وانزل سيدى الفاضل بنفسك إلى الشارع واستوقف أى أحد من المارة واسأله : برأيك ماذا سيحدث كعقاب رادع للجزائر عما حدث؟ وسيقول بكل إيمان الدنيا : لن يحدث لهم شىء ....
وحقيقةً ... لقد سبقتك فى هذا السؤال لكثير من الناس العاديين البسطاء والعجيب أنهم كانوا جميعهم مؤمنين بنفس الإجابة ... أنه لن يصيب الجزائر أو منتخبهم أى مكروه ...
قصر الكلام : شعبنا المصرى الجميل والأصيل ، تميزه صفات كثيرة .... ولكن أهم تلك الصفات ... وأخطرها ... هى الرومانسية ... الرومانسية الحالمة ....
ذلك الشعب الرومانسى العاطفى الملتهب سريعا ما يثور وسريعا ما يهدأ .... وللأسف جاء غضبنا مننا وإلينا .... وجاء هدوءنا فى النهاية حفاظا على صحتنا ... ولم نقم بتوصيل موجة غضبنا لبحار العالمية ... ولم يعلم العالم من المخطئ ومن المصيب ... لم يعلم العالم من الجانى ومن المجنى عليه ... لأنه ببساطة صوتنا لم يصل إلا إلينا ... خرج صوتنا من حناجرنا ليسمع آذاننا فقط .... ثم هدأنا و رضينا بالأمر الواقع ...
أشعر أننا دفعنا ثمن رومانسيتنا طاقة ووقت ومجهود وكلام ... دون تخطيط ودون نتائج ودون استرداد للحق .... فقط لأننا ....... شعب رومانسى .