اعتاد الأتراك فى لغتهم أن يضيفوا جى على بعض الكلمات، لتعبر بذلك عن وظيفة فنقول بلطجى ونعنى بها مستخدم البلطة، وعربجى ونعنى بها سائق العربة وأجزاجى وهو محضر الدواء إلخ. فالبلطجة فى عاميتنا الآن تعبر عن سلوك غير سوى.
وقد يعتبر البعض ما حدث فى موضوع هانى سعيد لاعب المنتخب مع الزمالك بلطجة، ولكن تتفاوت وجهات النظر، هل هى بلطجة من الزمالك، لأنه جعل منصف "يتبلى" عليه ليضغط على هانى ليعود للزمالك، أم هى بلطجة من هانى ليأخذ العقود كما روى منصف.
والمتابع لحالات البلطجة يجدها انتشرت فى حياتنا فى الآونة الأخيرة، يذكر البعض ما جرى فى القليوبية بين عائلة الكلاف والبربرى، وهو ما وصل لمرحلة القتل واستخدام السلاح وليس فقط التهديد به. ونذكر حادثة خطف ابن المعيدة على يد زوجها فى نفس منطقة واقعة هانى سعيد ومنصف تقريباً. واتباع أسلوب البلطجة لحل مشاكلنا التى قد تنجم هى الأخرى عن سلوك بلطجى من شخص آخر يرجع لأمور عدة.
إما أننا لا نجد الوسيلة لنأخذ حقنا المهدر، وهو ما نفهمه من خلال النظر لكل أحداث البلطجة التى يفوح منها إما ضعف القانون ووقوفه عاجزا أمام إعطاء الحق لصاحبه، أو تلك الثغرات القانونية التى ينفذ منها المحامون ليحموا الجانى من المحاسبة، أو بطء الإجراءات القانونية التى ينفذ صبر المظلوم على إثرها، فتجعله يفقد صوابه ويعرف أنه من الأفضل له أن يتبع أسلوب البلطجة، لأن المحاكم طريقها طويل!
ومن الأسباب التى تدعونا للبلطجة أيضاً غير عدم وجود الوسيلة التى تعطينا حقنا، هناك من يعتبروا فوق القانون من ممتطى جواد الحصانة، وهناك من ارتبطوا بالسلطة لكى يحموا مصالحهم المالية وزى ما بيقولوا إن الوجود فى "المطبخ" السياسى حمى كثيرين من قانون الاحتكار مثلاً، كذلك نستطيع أن نرصد بعض أعمال البلطجة من خلال ما تفعله الحكومات التى ترفع الأسعار أو تلك التى تقف عاجزة أمام من رفعها دون أن تحرك ساكناً، سواء بأن ترفع المرتبات أو تحجم المستفيدين من زيادة الأسعار. ومن أبرز أسباب البلطجة من وجهة نظرى، الفقر الذى يجعل البعض يبيعون أنفسهم وجسدهم لمن يدفع أكثر، كى ما يحصل صاحب المال على مراده ويحصل صاحب البنية القوية على قوت يومه.
أنا لا أبرر الأعمال المسماة بالبلطجة، وإنما أنا فقط أحاول أن أضع يدى على الأسباب، لكى نستطيع أن نقصها من جذورها ونمنع أسبابها، حينذاك نكون قد قضينا على ظاهرة يؤسفنى أن أقول إنها تفشت فى مجتمعنا فى الآونة الأخيرة، لا أحمل الحكومة وحدها القضية، ولكن نحن أيضاً صرنا ذوى أنفاس قصيرة لا تساعد لبلوغ آمالنا وطموحاتنا، مما ينعكس بشكل عام على حياتنا وتعاملاتنا مع الآخرين، وأهم ما يجب على قوله فى الختام، إن البلطجة هى أولى خطوات الإرهاب، فكما يبيع الإنسان جسده القوى لمن يدفع أكثر، يمكن أيضاً أن يبيعه لمن يستولى على عقله بأفكاره المسمومة. كما لا يفوتنى أن أذكر أن هناك حكومات تمارس البلطجة، وهى تلك الحكومات التى تكمم الأفواه ووسائل الإعلام، كى تفعل ما شاءت دون رقابة جماهيرية، خاصةً إن كان برلمانها منها وإليها وقليل الحيلة "وما يقدرش يرفض لها طلبا".