فى الدويقة.....عندما نستعذب المأساة

السبت، 25 أكتوبر 2008 02:35 م
فى الدويقة.....عندما نستعذب المأساة لماذا أصبحنا نتعامل مع بلدنا كما لو كانت شقة مفروشة - تصوير: أحمد إسماعيل

كتبت رنــــــــــا عـــاشور
لم أكن هناك...ولكنى تمثلت المشهد جيدا...رائحة الموت فى كل مكان...صوت الصراخ والعويل...أم تلهث فى البحث عن بقايا أطفالها....طفلة مذهولة تحمل دمية محترقة وقد استعصى المشهد على فهمها الساذج...شاب يبحث عن ذويه....ركام وحطام وأنقاض...دفنت فيها ذكريات فقيرة وأحلام متواضعة...بقايا أثاث بسيط...صورة لعائلة سعيدة...كتب مستعملة....أقلام رخيصة أطباق مهشمة.... وملابس مبعثرة.

لم أشهد الموقف.... ولكنى أعرف المأساة حق المعرفة.... مأساة حريق مسرح بنى سويف....حيث الإنسان بلا ثمن، مسرح متواضع الإمكانات... سيارة إسعاف تتلكأ... أكوام محترقة بعضها فوق بعض...مستشفى مهملة....أطباء آليون..وإهمال جسيم.

لم أذهب إلى سفاجا يوم أن غرقت العبارة...ولم أكن فى حاجة إلى ذلك..رأيت على شاشات التلفاز إهمال الشركة...هراوات الأمن المركزى تطحن أقارب لضحايا بدلا من مواساتهم فى مشهد كوميدى أسود.... سمعت صوت استغاثات البشر فى عرض بحر لا يرحم...شعرت بقشعريرة البرد التى أحسوها فى منتصف الشتاء.. أحسست خوفهم والتماسهم الأمان... بحثت معهم عن قشة نجاة...تمنيت لو كان هذا الفزع كابوسا... تضرعت معهم إلى الله... ترحمت معهم على من مات... وانتظرت معهم فى سذاجة عودة المفقودين... وفى النهاية احترقت كمدا معهم عندما سمعت التصريحات....

شعور بالإحباط اعترانى بعد كل مأساة فلم أسمع التصريحات... ولكنى أعلم الإجابات جيدا عن كل واحدة من هذه المصائب.. أن القدر المتسرع سبقنا فتركنا العشوائيات حتى انهارت... أن النار أسرع منا التهمت لحوم الناس قبل أن نرسل إليهم بسيارة نحشرهم فيها كما الفئران... أن البحر هو السبب الوحيد فى غرق الناس، وليس إهمال الشركة كما أن الرصاص هو المتسبب فى القتل وليس القاتل الذى أطلق الرصاص!!!! إننا (سوف) نبنى وننشأ وسوف نعاقب وننكل وسوف نعوض كل متضرر بمبلغ فلكى (1000جنيه على القتيل)!

لم أسأل أحدا... ولكنى أعرف تلك النظرة جيدا...نظرتنا إلى بلدنا كما لو كانت شقة مفروشة بالإيجار، نبصق بوقاحة على شوارعها... نرمى القمامة حيثما يحلو لنا.... نلوث نيلها...نحرق سماءها...يلتهم الكبير منا الأصغر منه بوحشية وبمسميات مختلفة.... دروس خصوصية...غلاء.... خصخصة... فى النهاية اختلفت المسميات والنتيجة واحدة...كلنا سارقون كما أن كلنا مسروقون...فنعم المصير.

إذا لم تكن المأساة الأولى، فماذا يمنع ألا تكون الأخيرة؟ وإذا كان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين..أولسنا مؤمنين؟
أتوق إلى النظافة والهدوء والنظام...إلى بلد يحفظ كرامتى كإنسانة...لكنى أضبط نفسى متلبسة بحب مصر، رغم العشوائية والفوضى والتخبط...أضبط نفسى متلبسة بتفاؤل غريب... مع أنه ليس هناك بادرة أمل فى التقدم...وليس هناك إلا أن أكتب هذا المقال بعد فترة مضيفة مأساة أخرى جديدة...تمثلت للعيان!!!!


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة