عاطف محمد عبد المجيد يكتب: «سيرة النور والصمت» أى قسوة تلك التى تعرض لها الإنسان المصرى

الثلاثاء، 03 مارس 2026 07:07 م
عاطف محمد عبد المجيد يكتب: «سيرة النور والصمت» أى قسوة تلك التى تعرض لها الإنسان المصرى غلاف الكتاب

أنا مؤمن أن مصر الجديدة لن تُبتكر ابتكارًا ولن تُخترع اختراعًا، ولن تقوم إلا على مصر القديمة الخالدة، ومن أجل هذا لا أحب أن أفكر في مستقبل الثقافة في مصر إلا على ضوء ماضيها البعيد وحاضرها القريب.

 

هذه المقولة لعميد الأدب العربي طه حسين افتتح بها محسن عبد العزيز كتابه "سيرة النور والصمت.. مصر والقطيعة الحضارية" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، الذي يهديه إلى المستقبل، وفيه يذكر أنه كلما وقف أمام آثارنا العظيمة شعر بالضآلة، ضآلة الحاضر أمام عظمة الماضي، حتى أنه في لحظات كثيرة يخامره الشك أننا أبناء هذه الحضارة العظيمة في العمارة والطب والفلك والهندسة والأدب، مشيرًا إلى أن هناك حضارات كثيرة مرت بطور التقدم ثم الضعف لكن البون غالبًا ليس شاسعًا مثلما هو حاصل عندنا، ذاكرًا أن الصين والهند أصحاب حضارة عريقة كلتاهما استطاعت مواصلة العدو في مضمار الحضارة رغم الكبوات، بينما كبا جوادنا وتعثر في ظلام طويل لا يبدو له آخر.

 

محسن عبد العزيز الذي راح يبحث، ككل الناس، عن سبب تخلفنا عن ركب الحضارة، مُرجعًا هذا مرة إلى جمود التراث وغياب التجديد، ومرة أخرى إلى استبداد أو طغيان يغلق مسام العقل، ومرة ثالثة إلى طول مدة الاستعمار، يعتقد أن كل هذه الأسباب حقيقة، غير أن السبب الرئيس هو القطيعة الحضارية التي حدثت لمصر عام 415 عقب مقتل الفيلسوفة العظيمة هيباتيا حين أصدر الإمبراطور الروماني ثيودسيوس الثاني أمرًا بمنع التعليم باللغة المصرية الهيروغليفية لغة العلم والحضارة وقت ذاك، وإغلاق المعابد والمدارس المصرية، لينزل الستار كثيفًا على حضارة مصر، ويدخل العالم في العصور الوسطى المظلمة، مؤكدًا أن الصدمة كانت شديدة على العالم، لكنها كانت أشد وطأة على مصر، أكثر من كل فترات الاحتلال التي تعرضت لها، مشيرًا إلى أن مصر كانت نور العالم، جاء منها التوحيد والأديان والفلسفة والعلم والكتابة والطب، وقد أخذ كل فريق بعضًا من هذا النور، بعضهم سرق الأديان، بعضهم أخذ الآداب، بعضهم أخذ الفلسفة، وبعضهم أخذ القانون الذي انتقل من مصر إلى أثينا على يد صولون ومنه إلى فرنسا، بينما حُرم المصري من النور طوال فترة الصمت والقطيعة مع حضارته ما جعله يتخلف عن ركب العلم، ويجعل الأسباب التي أجهد المفكرون أنفسهم في تفسيرها لمعرفة أسباب تخلفنا تبدو هامشية أو عرضًا لمرض عضال اسمه القطيعة الحضارية.

 

هوية ملتبسة

الكاتب الذي يتساءل هنا لماذا تعيش مصر كل هذه التذبذبات؟ يُرجع السبب إلى أن مصر تعيش هوية ملتبسة مهددة بالانزياح نحو اليمين أو اليسار، الغرب أو الشرق بعد القطيعة الحضارية وفقدان لغتها وبالتالي طمس حضارتها بحمولتها المعرفية والثقافية، وهي تعيش لحظة استلاب طويلة لا تستقر على مرفأ إلا يهددها الغرق، معتقدًا أن الشخصية المصرية غدت محمّلة بالتناقضات، عندما تستيقظ تصبح كالمارد لا يقف أمامها شيء، تصد جحافل التتار والصليبيين وتهز عرش السلطنة العثمانية، على حد وصف جمال حمدن لها، ولذلك جاءت شخصية المصري عجيبة، فهو يحمل جينات الفن والعبقرية، ثم إنه قوي وصبور وذكي، لكنه أيضًا "فهلوي" يتحمل القسوة والظلم، وإذا فاض به الكيل يخرج من داخله المصري الجسور الذي أنشأ أكبر إمبراطورية في العالم القديم، وها هو يفاجئ العالم بنصر أكتوبر العظيم، مؤكدًا أن مصر ستظل وطنًا لا يخلو من عظماء الرجال حتى في أشد لحظاته ضعفًا، سريعًا ما يهب واقفًا على قدميه، عفيًّا كالنيل والنخيل، راصدًا أن مصر كانت بالفعل تحتل العالم القديم فكريًّا ودينيًّا وفلسفيًّا، وما زالت أنوارها الحضارية وفيوضاتها الدينية التي نبعت من أرضها تحكم العالم إلى اليوم.

 

فيما في سياق حديثه عن الأدب المصري القديم، يشير محسن عبد العزيز إلى ما قالته كلير لالويت من أنه هو الأكثر عراقة بين ما عرفته البشرية من آداب، هو من أرفعها شأنًا وأكثرها تنوعًا وإن ظل مجهولًا حتى عهد قريب، ذاكرًا أن قولها هذا يكشف عما يحفل به الأدب المصري من قصص عالمية إنسانيًّا وإبداعيًّا، وإن كنا لا نلتفت إليها لأننا نلهث وراء كل جديد، أو هكذا نظن على حد تعبيره، معلنًا أنه لا يوجد فن إلا برع فيه المصريون، لكننا لا نعرف شيئًا عن إبداعهم الساحر الذي حمل على عاتقه مهمة رسم مسارات الإبداع العالمي في القصة والشعر والمسرح والموسيقى والغناء، ذاكرًا أن أول فن أدبي يعود إلى مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، لافتًا الانتباه إلى أن إبداعات المصري القديم في الأدب تحتاج إلى من يرفع عنها الغطاء، ويعيد قراءتها قراءة منصفة تعطيه المكانة التي يستحق كأدب مؤسس للآداب العالمية.

 

أصل الفلسفة

بينما حين يتحدث عن الفلسفة المصرية، يكتب محسن عبد العزيز قائلًا إن إرجاع أصل الفلسفة إلى اليونان أمر من قبيل الخرافات التي روجت لها الكتابات العنصرية الغربية هادفة إلى عدم الاعتراف بأي إنجاز حقيقي للأمم الأخرى، واعتبار اليونان أصل الفلسفة خطأ شائع تكذبه الدراسات الحديثة كما تكذبه كتابات فلاسفة اليونان أنفسهم.


في سيرة النور والصمت الذي يحاول فيه محسن عبد العزيز أن يعيد الاعتبار إلى دور الحضارة المصرية في التاريخ وفضلها على الأمم الأخرى، متحسرًا على ما آل إليه حاضرنا، مبينًا أسباب القطيعة التي حدثت بين اليوم والأمس، يرصد التحول الذي حدث للحضارة المصرية القديمة حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، ذاكرًا أن مصر عاشت قرونًا من الصمت بعد طمس اللغة وغياب حضارتها، عاشت قرونًا لم يعرف فيها المصري شيئًا عن تاريخه الثقافي، متسائلًا بحسرة: أي قسوة تلك التي تعرض لها الإنسان المصري ليعيش محرومًا من نور حضارته؟ مشيرًا إلى أننا نحتاج إلى الأدب المصري ليكون حاضرًا بقوة أكثر من الآداب الأخرى بما فيها الأدب العربي، وليس هذا انتقاصًا أو تقليلًا أو تنصلًّا أو إنكارًا، لكنها أبجديات وطنية، فمصر أولًا تعني أن يكون أبطال مصر أولًا وكذلك قادة الفكر والأدب والفلسفة المصرية، متسائلًا كيف نقول مصر أولًا وأسماء الشوارع والميادين والمدارس معظمها لأبطال غير مصريين؟ أين شارع أحمس وجامعة هيباتيا ومدرسة أفلوطين، وميدان حتشبسوت، أليس هؤلاء شخصيات مصرية تاريخية عظيمة؟

 

الدولة الوحيدة

محسن عبد العزيز الذي يقول إن مصر قد تكون الدولة الوحيدة في العالم التي يخاطر أي كاتب فيها بالحديث عن قوميتها أو هويتها، لأن هذا الحديث قد يجلب عليه سهامًا من نار تلتهم الأفكار والكلمات ولا تتركها إلا رمادًا، معتقدًا أن أولى خطوات الخلاص أن تسعى كل دولة إلى قوميتها وهويتها الخاصة تتكئ عليها لتكون حافزًا على العمل والتقدم دون أن يعوق ذلك حلم الاتحاد أو الوحدة، مثلما حدث مع دول الاتحاد الأوروبي رغم اختلاف قومياتها ولغاتها واعتزاز كل دولة بهويتها، يرى أن موت هيباتيا غيّر مجرى التاريخ في بلادنا وأسدل ستارًا كثيفًا على الحضارة المصرية لم تستطع أن تمزقه بعد كل هذه السنوات وقرون الصمت الكئيبة التي مرت عليها، مؤكدًا أن مقتل هيباتيا كان إيذانًا بالقطيعة الحضارية قولًا وفعلًا، خاصة وأنها لم تكن مجرد فيلسوفة عظيمة فقط، بل كانت تمثل الحضارة المصرية في صعودها وهبوطها، معتقدًا أنه أينما يوجد الإنسان توجد الفلسفة وأسئلة الوجود الكبرى، وتكون الحضارات المستقرة أرضًا خصبة لنمو الأنساق والمدارس الفلسفية، مستنكرًا تجاهل كثير من الباحثين للفكر الفلسفي في الحضارة المصرية القديمة لصالح الفلسفة اليونانية التي غدت من المعجزات الفكرية بعد سطوع آراء سقراط وأفلاطون وأرسطو في سماء الفكر الإنساني، دون الالتفات إلى المنبع الذي جاءت منه هذه الفلسفة وهو الحضارة المصرية القديمة، حيث تعلم معظم الفلاسفة والمفكرين اليونانيين في جامعات مصر.

 

فن واحد

ما يندهش له الكاتب هنا هو أن الشعر والموسيقى كانا فنًّا واحدًا في مصر القديمة، الموسيقيون شعراء يخطبون ويغنون كلامًا ملحنًا موزونًا، والناس يلقبونهم بالحكماء وأحيانًا بالأنبياء أو تراجم الآلهة، ذاكرًا أن العالم عندما كان يتخبط في دياجير الظلام كان المصري القديم يراقب النجوم والكواكب حتى توصل إلى التقويم الزمني، السنة والشهر والأسبوع واليوم والساعة، معتقدًا أن إيقاظ القومية المصرية ليست دعوة للشعوبية، لكنها دعوة لإيقاظ روح الأوطان وإشعال الهمم من أجل اللحاق بركب العلم والحضارة، مؤكدًا أن القومية المصرية ليست ضد أحد، وإذا استيقظت ستكون دافعًا ورافعًا للقومية العربية، وليست دول الاتحاد الأوروبي منا ببعيدة، معتقدًا أن كشف أسرار حضارة مصر القديمة يُعد كشفًا لأسرار الحاضر والمستقبل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة